الصفحة 76 من 3812

وهذا الإيحاء بأن ليس للرسول من أمر هذه الدعوة شيء إلا التذكير والبلاغ يتكرر في القرآن لأسباب شتى . في أولها إعفاء أعصاب الرسول من حمل هم الدعوة بعد البلاغ ، وتركها لقدر الله يفعل بها ما يشاء . فإلحاح الرغبة البشرية بانتصار دعوة الخير وتناول الناس لهذا الخير ، إلحاح عنيف جدًا يحتاج إلى هذا الإيحاء المتكرر بإخراج الداعية لنفسه ولرغائبه هذه من مجال الدعوة ، كي ينطلق إلى أدائها كائنة ما كانت الاستجابة ، وكائنة ما كانت العاقبة . فلا يعني نفسه بهمّ من آمن وهمّ من كفر .ولا يشغل باله بهذا الهم الثقيل حين تسوء الأحوال من حول الدعوة ، وتقل الاستجابة ، ويكثر المعرضون والمخاصمون .

ومما يدل على إلحاح الرغبة البشرية في انتصار دعوة الله وتذوق الناس لما فيها من خير ورحمة ، هذه التوجيهات المتكررة للرسول صلى الله عليه وسلم وهو من هو تأدبًا بأدب الله ومعرفة لحدوده ولقدر الله . . ومن ثم اقتضى إلحاح هذه الرغبة هذا العلاج الطويل المتكرر في شتى الأحيان . .

ولكن إذا كان هذا هو حد الرسول ، فإن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد . ولا يذهب المكذبون ناجين ، ولا يتولون سالمين . إن هنالك الله وإليه تصير الأمور:

{ إلا من تولى وكفر . فيعذبه الله العذاب الأكبر } . .

وهم راجعون إلى الله وحده قطعًا ، وهو مجازيهم وحده حتمًا . وهذا هو الإيقاع الختامي في السورة في صيغة الجزم والتوكيد .

{ إن إلينا إيابهم . ثم إن علينا حسابهم } . .

بهذا يتحدد دور الرسول في هذه الدعوة . ودور كل داعية إليها بعده . . إنما أنت مذكر وحسابهم بعد ذلك على الله . ولا مفر لهم من العودة إليه ، ولا محيد لهم من حسابه وجزائه . غير أنه ينبغي أن نفهم أن من التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس وليتم التذكير . فهذه وظيفة الجهاد كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول سواء ، بلا تقصير فيها ولا اعتداء . . (1)

ثالثا-الترهيب عن التقصير في الدعوة إلى الله

تحريم كتم اعلم

قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) البقرة}

فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيهًا للناس وزاجرة عن كتمانها ، ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة: 122 ] وروى حجاج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من كتم علمًا يعلمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار »

أما قوله تعالى: { مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات } فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتابًا وحيًا دون أدلة العقول ، وقوله تعالى: { والهدى } يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية ، لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] أن الهدى عبارة عن الدلائل فيعم الكل فإن قيل: فقد قال: { والهدى مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب } فعاد إلى الوجه الأول قلنا: الأول هو التنزيل والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد .

واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد والإجماع والقياس حجة فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور فقد دل عليه الكتاب فكان كتمانه داخلًا تحت الآية فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية وجمع بين الأمرين في الوعيد ، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجًا إليها ثم تركها أو كتم شيئًا من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه فقد لحقه الوعيد العظيم .

المسألة الرابعة: هذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين وهذا لأنه إذا أظهر البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتومًا ، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقيين إظهاره مرة أخرى .

المسألة الخامسة: من الناس من يحتج بهذه الآيات في قبول خبر الواحد فقال: دلت هذه الآيات على أن إظهار هذه الأحكام واجب ، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجبًا وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية: { إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ } [ البقرة: 160 ] فحكم بوقوع البيان بخبرهم فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهيًا عن الكتمان ومأمورًا بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟

قلنا: هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء ، فلا يكون خبرهم موجبًا للعلم .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 8 / ص 30)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت