فهرس الكتاب
رغم أن الشيخ كان كثير الأسفار وأنه كان نادرًا ما يجلس مع أبنائه لكثرة انشغاله بالقرآن ورسالة تلاوته وقراءته وإعداد الكتب الخاصة؛ إلا إنه ـ رغم كل ذلك ـ كان يهتم بإعداد الأبناء وتربيتهم وتنشئتهم تنشئة دينية أو بالأخص قرآنية؛ فقد كان يولي تحفيظ أبنائه القرآن عناية خاصة كما يحكي ذلك عنه أحد أبنائه فيقول:
لقد كان أبي أبًا حنونًا جدًا، وكان يهتم اهتمامًا شديدًا بحفظ القرآن، وقد استطعنا جميعًا حفظ القرآن كاملًا والحمد لله، وقد كان يعطي كل من حفظ سطرًا قرش صاغ بجانب مصروفه اليومي، وإذا أراد زيادة يسأل ماذا تحفظ من القرآن؟ فإن حفظ وتأكد هو من ذلك أعطاه.
وقد كانت له فلسفة في ذلك فهو يؤكد دائمًا على حفظ القرآن الكريم حتى نحظى برضا الله علينا ثم رضا الوالدين فنكافأ بزيادة في المصروف وكانت النتيجة أن التزم كل أبنائه بالحفظ .
وأذكر أنه في عام 1960م كان يعطينا عن كل سطر نحفظه خمسة عشر قرشًا وعشرة جنيهات عن كل جزء من القرآن نحفظه، وكان يتابع ذلك كثيرًا إلى أن حفظ كل أبنائه ذكورًا وإناثًا القرآن الكريم كاملًا والحمد لله.
خاتمة السعداء
كان الشيخ قد بنى مجمعا دينيا يضم معهدا أزهريا ومسجدا بقريته (شبرا النملة) وبنى مسجدا بالقاهرة.. وأوصى قبل وفاته بثلث أمواله لخدمة القرآن الكريم.
وكانت بداية المرض في عام 1980 م عندما عاد من رحلة من السعودية مريضا (كما يحكي أحد أبنائه) وقد زاد عناء السفر وإجهاده من مرض القلب الذي كان يعاني منه، إلا أن المرض اشتد عليه بعد ثلاثة أيام من عودته ونصح الأطباء بضرورة نقله إلى معهد القلب.. وقد تحسنت صحته بحمد الله فعاد إلى البيت مرة أخرى حتى ظننا أنه شفي تماما وظن هو كذلك.. إلا أنه في يوم الاثنين الموافق 24 نوفمبر عام 1980 م وبعد أن أدى صلاة العشاء مباشرة فاضت روحه إلى باريها، وأسلم النفس إلى خالقها بعد أن ملأ الدنيا قرءانا، ليلقى ـ إن شاء الله ـ بشرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم:"يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن مقامك عند آخر آية تقرؤها فرحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.. أمين."
محمود شاكر المقاتل التراثي الشجاع
كما يكون الخير في حياة العظماء يكون الخير في موتهم أيضا ؛ ذلك لأن حياتهم عطاء كبير . ولأن موتهم تنبيه إلى من بعدهم ليحملوا الرسالة ويواصلوا المسيرة.
وكما أن العظماء في التاريخ قليل ، فإن من يحذو حذوهم قليل أيضًا ، وتلك حكمة الله في البشر ، فالله سبحانه وتعالى يصلح أمة بصلاح فرد .. وهكذا كان الأنبياء الذين بلغوا رسالات الله إلى البشر ، لأن البشر عجزوا عن القضاء على آفات البشر بأدوية البشر .فكان لا بد أن تتدخل السماء لحسم هذا الداء وحتى لا يتأبى بشر على من خلق البشر .
إن من هؤلاء العظماء القليلين الأستاذ الشيخ محمود شاكر إمام المحققين للتراث الإسلامى في العصر الحديث .
لقد نبه هذا الرجل بحياته أمته إلي النظر في تاريخ أعلامه والأخذ من هذا التاريخ سيرة وعلما ، ونبه أمته بموته إلى أن عليها مسؤولية المواصلة على الطريق، والسير على الدرب والأمل في الله سبحانه قائم أن من مأثوراتنا الإسلامية ان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يحدد لهذه الأمة أمور دينها ، ويبعث النهضة التى غفلت عن جذورها في علم الآباء والأجداد ليظل منهج السماء واضحا من كل لبس وهاديا لكل الحاد.
من هو محمود شاكر
الشيخ العلم الأستاذ محمود محمد شاكر رائد من رواد تحقيق التراث العربى الإسلامى .. أمضى حياته في رحلة علمية طويلة وعطاء فياض لخدمة الإسلام والدفاع عن أصوله ومبادئه والوقوف أمام تيارات الحداثة والتغريب والرد على أذناب التنوير المزعوم .. رحل عنا ـ بعد عطاء فياض ـ مودعا سجن الدنيا وانتقل الى جوار ربه، تاركًا نموذجًا طيبًا، وقدوة حسنة، وفكرًا إسلاميًا مستنيرًا .
ولد الشيخ محمود محمد شاكر في الإسكندرية، وكان أبوه جنديًا من جنود الدعوة والإرشاد فانتقل الى القاهرة وظل يعمل لفتره كبيرة وكيلا للجامع الأزهر .
التحق الشيخ محمود شاكر بالجامعة المصرية وبدأ جهاده الفكرى مبكرًا وهو لا يزال في السنوات الأولى بكليةا لآداب حتى أعلن اعتراضه ورفضه لأفكار أستاذه طه حسين، التى تحاول النيل من التراث العربى الإسلامى ، فوجه للدكتور طه حسين انتقادات عديدة، وخاصة حين أعلن أن الشعر العربى موضوع ومنحول كله .
وبدأ شيخنا يكتب سلسلة من المقالات النارية في مجلة الرسالة تحت عنوان: نمط صعب وذلك في مواجهة صريحة معلنة مع الذين يريدون هدم الكيان الحضارى العربى والإسلامى والتشكيك في أصول اللغة العربية .
محمود شاكر بقلم محمود شاكر
وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الشيخ محمود شاكر عن الفترة الأولى من حياته: قضيت عشر سنوات من حياتى في حيرة زائغة، وضلالة مضيئة ، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسى الهلاك ، وأن أخسر دنياى وآخرتى ، محققا إثما يقذف بى في عذاب الله بما جنيت ، فكان كل همى يومئذ أن ألتمس بصيصا أحتذى به إلى مخرج ينجينى من قبر هذه الظلمات المطبقة علي من كل جانب . فمنذ السابعة عشر من عمرى الى أن بلغت السابعة والعشرين كنت منغمسا في غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب .