الصفحة 735 من 3812

ولد الشيخ مصطفى صبري آخر شيوخ الإسلام في الخلافة العثمانية في"توقاد"سنة 1286هـ/1869م، وتعلَّم في قيصرية على الشيخ خوجة أمين أفندي، ثم انتقل إلى استانبول لاستكمال تحصيله العلمي. وفي استانبول شدَّ الشيخ مصطفى صبري انتباه مشايخه بحدة ذكائه، وقوة حافظته، وعمق تحصيله، وعيَّن مدرسًا في جامع السلطان محمد الفاتح - أكبر جامعة إسلامية في استانبول آنذاك - وهو في الثانية والعشرين من عمره، وهو منصب مرموق يحتاج إلى جدّ واجتهاد وتحصيل، ثم أصبح أمينًا لمكتبة السلطان عبد الحميد الثاني، وقد لفت انتباه السلطان عبد الحميد إليه بسعة اطلاعه وبتميزه وهو في سن الشباب بين رجال العلم الدينيين في استانبول عاصمة الخلافة.

وقد بدأ مصطفى صبري نشاطه السياسي بعد إعلان الدستور الثاني سنة 1908م، إذ انتخب وقتذاك نائبًا عن بلدته"توقاد"في مجلس المبعوثان العثماني، وكان في هذه الفترة رئيسًا لتحرير مجلة"بيان الحق"، وهي مجلة إسلامية كانت تُصدرها الجمعية العلمية، كما عُين عضوًا في دار الحكمة الإسلامية، وبرز اسم مصطفى صبري آنئذ لمقدرته الخطابية، ودفاعه المجيد عن الإسلام، ولم يلبث أن تبين له سوء نية الاتحاديين، فانضم إلى حزب الائتلاف الذي تألف من الترك والعرب والأروام الذين يعارضون النزعة الطورانية التي اتسم بها الاتحاديون، وكان نائبًا لرئيس هذا الحزب المعارض.

ولما استفحل أمر الاتحاديين، وقوي نفوذهم، فرَّ من اضطهادهم سنة 1913م إلى مصر، حيث أقام مدة، ثم انتقل إلى بلاد أوروبة فأقام ببوخارست في رومانية إلى أن ألقت القبض عليه الجيوش التركية عندما دخلت بوخارست أثناء الحرب العالمية الأولى، وظل معتقلًا إلى أن انتهت الحرب بهزيمة تركية، وفرار زعماء الاتحاديين، فعاد الشيخ إلى نشاطه السياسي في استانبول، وعيِّن شيخًا للإسلام، وعضوًا في مجلس الشيوخ العثماني، وناب عن الصدر الأعظم الداماد فريد باشا أثناء غيابه في أوروبة للمفاوضة، وظلَّ في منصبه إلى سنة 1920م فتركه عندما اختلف مع بعض الوزراء ذوي الميول الغربية.

وعندما استولى الكماليون على العاصمة فرَّ إلى مصر سنة 1923م، ثم انتقل إلى ضيافة الملك حسين في الحجاز، ثم عاد إلى مصر حيث احتدم النقاش بينه وبين المتعصبين لمصطفى كمال، فسافر إلى لبنان، وطبع هناك كتابه"النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة". ثم سافر إلى رومانية، ثم إلى اليونان؛ حيث أصدر مع ولده إبراهيم جريدة"يارين"- أي الغد - وظل يصدرها نحو خمس سنوات، حتى أخرجته الحكومة اليونانية بناء على طلب الكماليين، فعاد إلى مصر حيث اتخذها وطنًا ثانيًا.

وفي مصر عاش منافحًا عن الإسلام لا يخاف في الله لومة لائم، على الرغم من كبر سنه وفقره المدقع، مع التجمل في الظاهر والتجلد للشدائد، ولما نشرت الصحف العالمية خبر صيام غاندي أنشأ هذه الأبيات:

صام شيخ الهند الحديثة غندي.. ... ..صومة المستميت والمتحدي

وأراني على شفا الموت أُدعى.. ... ..شيخ الإسلام بله هند وسندِ

غير أن الصومين بينهما فرق.. ... ..عجيب أبديه من غير ردِّ

صام مع وُجده، وصمتُ لعدْمٍ.. ... ..دام مذ ضفت مصر كالضَّيف عندي

وغدا صومُه حديثَ جميع الناس.. ... ..أما صومي فأدريه وحدي

في سبيل الإسلام ما أنا لاق.. ... ..ولئن متُ فليعش هو بعدي

فليعش رغم مسلمي العصر دينٌ.. ... ..ضيَّعوه ولم يَفُوْهُ بعِهدِ

كان مثلي يموت جوعًا ولا يعرف.. ... ..لو كان شيخهم شيخ هندِ

آراء مصطفى صبري

وآراء مصطفى صبري موزعة في مجموعة من الكتب التي أصدرها حيث بدأ بنشر مجموعة من الكتب الصغيرة ثم جمع فلسفته وخلاصة آرائه في كتاب ضخم كبير ختم به حياته المباركة.

1-كان أول ما أصدره مصطفى صبري بالعربية (قيدته بالعربية إذ سبقه بالتركية) :

(1) كتاب"يني مجددلر" (مجدوا الدين) وقد طبع في الأستانة، وصادرته الحكومة الكمالية ومنه نسخة في دار الكتب المصرية أهداها إليها الشيخ محمد زاهد الكوثري. وموضوعه الدفاع عن كثير من الأحكام الشرعية التي لا يزال يطعن فيها كفار المسلمين في حادث الأزمنة، وينتقدون بعقولهم الضئيلة تقاليد الإسلام القويمة. هذا وقد أعيد طبعه في استانبول في مطبعة السبيل بالأحرف اللاتينية، وحبذا لو ترجم إلى العربية ليستفيد منه المسلمون عمومًا.

(2) "قيمة الاجتهادات العلمية للمجتهدين المحدثين في الإسلام"، ومنه نسخة في دار الكتب المصرية مهداة من قبل الشيخ زاهد الكوثري وكيل الدرس سابقًا في المشيخة الإسلامية.

(3) وكتاب"النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة"الذي ظهر في المطبعة العباسية ببيروت سنة 1342هـ-1924.

2-ثم ألف كتاب"مسألة ترجمة القرآن"في مئة وثلاثين صفحة سنة1351هـ-1931م، وقد ناقش فيه حجج كل من الشيخ محمد مصطفى المراغي ومحمد فريد وجدي في جواز ترجمة القرآن والتعبد بها في الصلاة، وبيَّن فساد ذلك من الناحية الشرعية بأدلة كثير قوية، منبهًا على ما يترتب على المسألة من أخطار.

3-ثم ألف مصطفى صبري بعد ذلك كتاب"موقف البشر تحت سلطان القدر"سنة 1352-1932، وهو يرد فيه على ما زعمه بعض الزاعمين من أن تأخر المسلمين وتواكلهم يرجع إلى إيمانهم بعقيدة القضاء والقدر، وهو يلخّص مذهبه في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل:93] . فالإنسان يفعل ما يشاء ولكنه لا يشاء إلا ما شاء الله، ويقع الكتاب في 280 صفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت