فهرس الكتاب
ظلت الدعوة إلى الله ديدن الشيخ وهمَّه حتى آخر عمره وقد أصيب وهو في الستين من عمره بمرض في كبده ففتك به، ولكن الشيخ لم يضعف ولم يستسلم للمرض بل مضى يؤلف ويكتب وهو على سرير المرض... وكثيرًا ما كان يخلع ثوب المستشفى ويستبدل به ملابسه العادية وييمم وجهه تجاه قاعات الجامعة لإلقاء المحاضرات ثم يعود للمستشفى.
وقد كانت حجرته في المستشفى منبر علم للسؤال والاستشارة إلى أن وافاه أجله في الخامس من محرم لعام 1408هـ الموافق له 29 آب 1987م.
قالوا عنه
يقول فيه الأستاذ الأديب الشيخ الطنطاوي في تقديمه لرسالته النافعة ( إلى ورثة الأنبياء) :
( إنه - ولا أزكّيه على الله ولا أريد أن أقْصُمَ له ظهره أو عنقه - مثالُ المجاهد المكافح في النصف الثاني من هذا القرن العشرين الذي شهد ويشهد أعتى الحملات على الإسلام ورجاله... أقول: ورجاله... الرجال الذين صدعوا بالحق، ولم يبالوا بظالم، أو داعر، أو ديّوث خان دينَه وباع أمّته بدنيا سواه وكان حذاءً يحتذيه الملعونون الطغاةُ البُغاة، ثم لا يلبثون أن يخلعوه بعد أن يُفتَضَح أمرُه وتكون شتيمتُه على كل لسان...) .
وقد رثاه شاعر طيبة محمد ضياء الدين الصابوني فقال:
قالوا قضى الشيخ علوان فقلت لهم .. .. ذاكم أبو سعد ألا يانفس فاعتبري
ما كنت أحسب أن الموت يرصده .. .. حتى دهاه ، ونمضي نحن بالأثر
إني لأذكر أعوامًًا بصحبته .. .. فأنثني و دموع العين كالنهر
عرفته فعرفت الفضل شيمته .. .. عف الضمير سديد الرأي و النظر
رحم الله تعالى الشيخ عبد الله ناصح علوان العالم العامل وهيأ للأمة الإسلامية أمثاله وأثابه على كل ما قام به من خدمة لهذا الدين إنه سميع مجيب.
عبد الرحمن الأوزاعي .. العالم المرابط
قال محمد بن عجلان:"لم أرَ أحدًا أنصح للمسلمين من الأوزاعي.."كان إذا وعظ الناس لم يبق أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو قلبه، ما رؤي ضاحكًا مقهقهًا ولا باكيًا في مجلسه قط، وكان إذا خلا بكى حتى يُرحَم..
أفتى وله من العمر خمس وعشرون سنة.. ولم يزل يفتي حتى مات رحمه الله، وقد أفتى في سبعين مسألة بحدثنا وأخبرنا..
حياته ومولده
هو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، أبو عمرو الأوزاعي، نسبة إلى محلة"الأوزاع"قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق. ولد بمدينة بعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، ونشأ بالبقاع يتيمًا في حجر أمه التي كانت تنتقل به من بلد إلى بلد. تأدّب بنفسه، فلم يكن من أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أورع، ولا أعلم، ولا أفصح، ولا أحلم، ولا أكثر صمتًا منه. ما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من سمعها من جلسائه أن يكتبها عنه من حسنها، كما قال ابن كثير رحمه الله.
سكن بيروت مرابطًا إلى أن مات فيها سنة سبع وخمسين ومائة للهجرة، وعمره يومذاك سبع وستون سنة..
سمع جماعات من التابعين، كعطاء بن أبي رباح، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر، والزهري..
وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس، والثوري،والزهري، وهو من شيوخه، وأثنى عليه غير واحد من الأئمة. قال النووي رحمه الله:"وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي وجلالته وعلو قدره وكمال فضله..".
وقال أبو عمرو الشامي الدمشقي:"الأوزاعي إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة".
وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله:"كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به".
أما سفيان بن عيينة فقال:"كان الأوزاعي إمام أهل زمانه".
كان رحمه الله كثير العبادة، حسن الصلاة، حتى قال في حقه الوليد بن مسلم:"ما رأيت أحدًا أشد اجتهادًا من الأوزاعي في العبادة". وكان رحمه الله يقول:"من أطال القيام في صلاة الليل هوّن الله عليه طول القيام يوم القيامة"أخذ ذلك من قوله تعالى: (ومن الليل فاسجدْ له وسبحه ليلًا طويلًا. إنّ هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا) [الإنسان: 26-27] .
كما كان، رحمه الله، إلى جانب زهده وورعه كريمًا سخيًا، لم يمسك شيئًا، ولم يترك يوم مات سوى سبعة دنانير كانت جهازه، وكان ينفق كل ما يأتيه في سبيل الله، وفي الفقراء والمساكين عدا عن كونه شديد التمسك بالسنة، فهو القائل:"العلم ماجاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم.. عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس،وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم.. اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم،وقل ما قالوا، وكفّ عما كفوا، وليسعك ما وسعهم..".
إلى جانب كونه قائمًا بالحق لا يخشى في الله لومة لائم،وقد روي عن والي بيروت عند وفاه الأوزاعي رحمه الله قوله:"رحمك الله يا أبا عمرو، فقد كنتُ أخافك أكثر ممّن ولاّني"أي: الخليفة.
وهو القائل:"لا يجتمع حب عثمان وعلي رضي الله عنهما إلا في قلب مؤمن.. وإذا أراد الله بقوم شرًا فتح عليهم باب الجدل وسدّ عنهم باب العلم والعمل..".
مواقف خالدة
"فلا تحل لك إلا بطريق شرعي"..