الصفحة 755 من 3812

الأمر الرابع: استفاد من مركب النقص بالعينين ، إذ ألح على نفسه وحطمها بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار ، المشار إليهم بسعة العلم ، وإدراك الفهم ، وقوة الاستدلال وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب ، وحبا للعلم ، وسلوكا للسنة ، وسيرا على المحجة ، وذكاء في الفؤاد .

رابعا: هيبته

مما تميز به سماحته - رحمه الله - الهيبة ، وقد حدث غير واحد من كبار العلماء الفضلاء وطلبة العلم أن للشيخ هيبة فيها عزة العلماء مع عظيم مكانتهم وكبير منزلتهم ، وهذه الهيبة قذفها الله في قلوب الناس ، وهي تنم عن محبة وإجلال وتقدير له ، لا من خوف وهلع وجبن معه ، بل إن الشيخ - رحمه الله - قد فرض احترامه على الناس ، بجميل شمائله وكريم أخلاقه ، مما جعلهم يهابونه حياء منه ، ويقدرونه في أنفسهم أشد التقدير .

ومما زاد هيبته أنه ابتعد عن ساقط القول ، ومرذول اللفظ ، وما يخدش الحياء أشد الابتعاد ، فلا تكاد تجد في مجلسه شيئا من الضحك إلا نادرا ولماما ، بل تجد مجالسه عامرة بذكر الله ، والتفكر والتأمل في الدار الآخرة . ومع هذه المكانة العظيمة ، والمنزلة السامية ، والهيبة ، فإنه آية في التواضع ، وحسن المعاشرة ، وعلو الهمة ، وصدق العزيمة ، مع عزة في النفس ، وإباء في الطبع ، بعيدا كل البعد عن الصلف والتكلف المذموم كأنه واضع بين نصب عينيه قوله تعالى: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ )

خامسا: فصاحته

اللغة العربية لغة جميلة في بابها ، ماتعة في لبابها وفوائدها ، فهي لغة القرآن والسنة ، أسلوبا ومنهجا ، ومقصدا ومغزى ، وهي الوسيلة إلى فهم الدين ، وإدراك أسراره ، وسبر أغواره ، وهي من مستلزمات الإسلام وضروراته .

والشيخ - رحمه الله - يعد وبجداره من أرباب الفصاحة ، وأساطين اللغة وخاصة في علم النحو ، وفي علوم اللغة العربية كافة . وفصاحته تبرز في كتابته ومحادثته ، وخطبة ومحاضراته وكلماته ، فهو ذو بيان مشرق ، ونبرات مؤثرة حزينة ، وأداء لغوي جميل ، ويميل دائما إلى الأسلوب النافع الذي كان عليه أكثر أهل العلم وهو الأسلوب المسمى"السهل الممتنع".

ومن المألوف حقا - في عالم الإسلام - أن الذين يحرمون بصرهم من أهل العلم ، يمتازون بالفصاحة في الألفاظ والمعاني ، وقوة الخطابة وإتقانها ، لأن معظم اعتمادهم على الإلقاء والخطابة في الدرس والوعظ والدعوة ، وهذا ما يتجلى واضحا في الشيخ - رحمه الله - . والشيخ - خطيب مصقع ، وواعظ بليغ سواء في محاضراته الكثيرة النافعة أو تعقيباته على محاضرات غيره ، أو في توجيهاته الحكمية ، وتوصياته المفيدة ، التي تشرئب إليها الأسماع ، وتتطلع لها الأفئدة والقلوب الصادقة المؤمنة .

ومن مميزاته وخصائصه الخطابية قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تشتت ، وضبطه لعواطفه حتى لا تغلب عقله ، ثم سلامة أسلوبه ، الذي لا يكاد يعتريه اللحن في صغير من القول أو كبير ، وأخيرا تحرره من كل أثر للتكلف والتنطع .

خامسا: قوة الحافظة ، وسرعة البديهة

ومما تميّز به سماحته - رحمه الله - قوة الحافظة ، وسرعة البديهة ، واستحضار مسائل العلم بفهم واسع ، ووفرة في العلم ، وشدة في الذكاء ، وغزارة في المادة العلمية ، فهو - رحمه الله - صاحب ألمعية نادرة ، ونجابة ظاهرة . وإن نعمة الحفظ ، وقوة الذاكرة ، هما من الأسباب القوية - بعد توفيق الله عز وجل - على تمكنه من طلبه للعلم ، وازدياد ثروته العلمية ، المبنية على محفوظاته التي وعتها ذاكرته في مراحل التعلم والتعليم ، وقد حباه الله من الذكاء وقوة الحفظ وسرعة الفهم ، مما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة .

ومما يؤكد على ذلك أنه لربما سُئِلَ عن أحاديث منتقدة في الكتب الستة وغيرها من كتب السنة فيجيب عليها مع تخريجها والتكلم على أسانيدها ورجالها ، وذكر أقوال أهل العلم فيها ، وهو ممَّن منَّ الله عليه بحفظ الصحيحين واستحضارهما ، ولا يكاد يفوته من متونهما شيء؛ إلا اللهم أنه سُئِلَ مرة ونحن على طعام الغداء عنده ، فقال السائل: هل تحفظ الصحيحين فأجاب قائلا:"نعم ولله الحمد والمنة"، إلا أن صحيح مسلم يحتاج إلى نظر وتربيط . .

سادسا: فراسته

إن الفراسة حلية معلومة ، وخصلة حميدة لكبار العلماء وأهل الفضل والهدى ، والفراسة كما قال عنها الإمام ابن القيم - رحمه الله -: الفراسة الإيمانية سببها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرِّق به بين الحق والباطل ، والحال والعاطل ، والصادق والكاذب ، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان ، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدَّ فراسة ، وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أعظم الأمة فراسة ، وبعده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ووقائع فراسته مشهورة ، فإنه ما قال لشيء:"أظنه كذا إلا كان كما قال"ويكفي في فراسته موافقته ربه في مواضع عدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت