وإن من نِعَمِ الله على هذه الأمة أن جعل فيها من يُجدد لها أمر دينها كما أخبر بذلك الصادقُ المصدوق صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد
لها دينها . رواه أبو داود بإسناد صحيح .
والعلماء هم مصابيح الدُّجى ، وأئمة الهدى .
قال الإمام أحمد - رحمه الله - في مقدمة كتاب الردّ على الجهمية - على ما ذكر ابن القيم - وذكر أن ابن وضّاح نسبه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يَدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ويُبَصِّرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، ومن ضال جاهل قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تأويل الجاهلين ، وتحريف الغالين ، وانتحال المبطلين .
قال ابن القيم - رحمه الله -: ولولا ضمان الله بحفظ دينه وتكفّله بأن يُقيمَ له من يجدد أعلامه ، ويُحيى منه ما أماته المبطلون ، ويُنعش ما أخمله الجاهلون ، لهُدِّمت أركانه وتداعى بنيانه ، ولكن الله ذو فضل على العالمين . اهـ .
ولئن كان الناس في أسفارهم يَهتدون بالنجوم في ظلمات البر والبحر ، فإن العلماء هم نجومُ الهداية . بهم يهتدي السالكون إلى الله والدار الآخرة ، فهم مناراتٌ يُهتدى بها ، وإذا غابت النجوم ضل الناس وتاهوا في دياجير ظلمات البر والبحر ، وإذا غاب العلماء عن الساحة ضل الناس وتخبّطوا في ظلمات الشُّبُهات والشهوات .
فَدَوْرُ العلماء كبير ، وشأنهم عظيم ، فهم يُبصِّرون الناس من العمى ، ويدلُّونهم على ما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة ، ولا أدلّ على ذلك من قصة الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا فسأل: هل لي من توبة ؟ فدُلَّ على رجل عابدٍ لكنه جاهل ، فحجّر واسعًا وقال: لا ليس لك من توبة ، فأتمّ به المائة ، ثم سأل: هل لي من توبة ؟ فَدُلَّ على عالم ، فقال: نعم ، ومن يحول بينك وبينها ، ثم زاد في إرشاده ، فقال له: انْطَلِقْ إِلَىَ أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللّهَ فَاعْبُدِ اللّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَىَ أَرْضِكَ فَإِنّهَا أَرْضُ سَوْءٍ .
أو قصة ذلك الدجّال الذي كان يدّعي علم الغيب ، وذلك أن رجلًا كان في مجلس أحد الخلفاء ، وكان بين أيديهم صُرّةً فيها دراهم فكان يخرج من المجلس ويقول: ليأخذ كلُّ
واحد منكم حفنةً من الدراهم ثم يَخرج هو ، ويَعُدُّ كلُّ واحدٍ ما أخذ ، ثم يَدخل ويُخبرَهم بما مع كلّ واحد ، فيكون الأمر كما قال ، فتعجّبوا ، حتى دخل أحدُ العلماء ، فأمر ذلك الدجّال أن يخرج ، فخرج ، ثم ادخل العالمُ يده في الصرة وأخرج حفنةً من الدراهم من غير أن يَعُدّها ووضعها في جيبه ، وقال للدجال: أدخل ، فلما دخل أخذ يُخمّن ويتوقّع فلم يدرِ كم معه بالتحديد ، ثم أزال ذلك العالم اللبس ، وأوضح الحقيقة بأن ذلك الدجّال يستخدم الشياطين ، وكلُّ إنسان وُكِّلَ به قرين - كما أخبر بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم - فإذا عدّ الدراهم عدّ معه القرين ، ثم أخبر قرين الساحر أو الكاهن أو العرّاف ، فيُخبر بما أُخبرَ به .
فالعالم ينظر بنور الله ، ويكشف الله على يديه الشُّبهات والمتشابهات .
وقد روى الإمام اللالكائي من طريق الوليد بن هشام عن أبيه قال: بلغ هشام بن عبد الملك أن رجلا قد ظهر يقول بالقدر وقد أغوى خلقًا كثيرا ، فبعث إليه هشام فاحضره .
فقال: ما هذا الذي بلغني عنك ؟
قال: وما هو ؟
قال: تقول إن الله لم يقدر على خلق الشر ؟
قال: بذلك أقول ، فاحْضِر من شئت يحاجّني فيه .
فإن غلبته بالحجة والبيان علمت أني على الحق ، وإن هو غلبني بالحجة فأضرب عنقي .
قال: فبعث هشام إلى الأوزاعي ، فأحضَره لمناظرته .
فقال له الأوزاعي: إن شئت سألتك عن واحدة ، وإن شئت عن ثلاث ، وإن شئت عن أربع !
فقال: سَلْ عمّا بدا لك .
قال الأوزاعي: أخبرني عن الله عز وجل هل تعلم أنه قضى على ما نهى ؟ قال ليس عندي في هذا شيء .
فقلت: يا أمير المؤمنين هذه واحدة .
ثم قلت له: أخبرني هل تعلم أن الله حال دون ما أمر ؟
قال: هذه أشد من الأولى .
فقلت: يا أمير المؤمنين هذه اثنتان .
ثم قلت له: هل تعلم أن الله أعان على ما حرّم ؟
قال: هذه أشد من الأولى والثانية .
فقلت: يا أمير المؤمنين هذه ثلاث قد حلّ بها ضرب عنقه .
فأمَر به هشام فضُربت عنقه .
ثم قال للأوزاعي: يا أبا عمر فسّر لنا هذه المسائل .
فقال: نعم يا أمير المؤمنين .
سألته: هل يعلم أن الله قضى على ما نهى ؟
نهى آدم عن آكل الشجرة ، ثم قضى عليه فأكلها .
وسألته: هل يعلم أن الله قضى حال دون ما أمر ؟
أمر إبليس بالسجود لآدم ، ثم حال بينه وبين السجود .
وسألته: هل يعلم أن الله أعان على ما حرّم ؟
حرم الميتة والدم ثم أعاننا على أكله في وقت الاضطرار إليه .
قال هشام: والرابعة ما هي يا أبا عمرو ؟
قال: كنت أقول: مشيئتك مع الله أم دون الله ؟
فإن قال: مع الله فقد اتخذ الله شريكا ، أو قال: دون الله فقد انفرد بالربوبية ، فأيهما أجابني فقد حلّ ضرب عنقه بها .
قال هشام: حياة الخلق وقِوام الدين بالعلماء .