الصفحة 770 من 3812

والعلماء هم صمام الأمن للأمة بإذن الله ، فإذا ذهب العلماء تخبّط الناس في دياجير الظلمات ، واستفتوا من ليس أهلًا للفتوى ، وتصدّر الأوغاد ، ونطق الرويبضة يُحدّث الناس كما أخبر بذلك من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ، حيث قال: تأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخون فيها الأمين وينطق فيهم الرويبضة . قيل: يا رسول الله وما الرويبضة ؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة . رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال ابن حجر: إسناده جيّد ، وحسّنه الألباني .

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يَترك عالما اتخذ الناس رؤسًا جهالا فسُئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا .

والعلماء هم أهل البصيرة والنّظر الثاقب ، ولذا كان يُقال: إن الفتن إذا أقبلت لم يعرفها إلا العلماء ، وإذا أدبرت عرفها كلّ أحد .

ولذا جاء في وصف الفتن العظيمة: تدعُ الحليم حيرانًا .

بمعنى أنه إذا كان العالم الحازم الحليم يَحارُ في الفتن فغيره من باب أولى .

ولا تُنال الإمامة في الدِّين إلا بالصبر واليقين ، كما قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميّة .

فمن لم يصبر على تعلّمِ العلم لم يفقه في دين الله: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ )

ولما قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كلّه ؟ قال: بنفي الاعتماد ، والسيرِ في البلاد وصبرٍ كصبرِ الجماد ، وبكور كبكور الغراب . ذَكَرَه الخطيب في «الرحلة في طلب الحديث»

والشعبي قال عنه ابن سيرين: لقد رأيته يستفتى والصحابة متوافرون .

وإذا تقدّم غير العالم ، وتصدّر الحَدَث كان في ذلك هلاكه وهلاك مَن تبِعه .

ولذا جاء في وصف الخوارج أنهم حدثاء الأسنان ، كما عند البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام: يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة .

قال ابن حجر: قوله: حدثاء الأسنان أي صغارها وسفهاء الأحلام أي ضعفاء العقول .

ولما تطاول الناس في البناء في زمن عمر قال عمر رضي الله عنه: يا معشر العرب الأرض الأرض . إنه لا إسلام إلا بجماعة ، ولا جماعة إلا بإمارة ، ولا إمارة إلا بطاعة ، فمن سوّده قومه على الفقه كان حياة له ولهم ومن سوّده قومه من غير فقه كان هلاكا له ولهم . رواه الدارمي

وهذا ما يُشاهد في السنوات الأخيرة فقد لوحظ قبض العلماء ، وأبْرَزَتْ الفضائيات وبعض وسائل الإعلام الأخرى من ليسوا أهلًا للتّصدّر ، ولا يُظنّ أن الفضائيات التي تُتاجِر بالغرائز وإثارة الفتن والشهوات ، وتقذف بالشُّبهات قذفًا مُروّعًا ، لا يُظنّ بها أنها ستُبرِزُ العلماء الصادقين الذين يجب أن تَصْدُرَ الأمة عن رأيهم ، إنما يُبرزون - في الغالب - من يُوافقهم على باطلهم أو على الأقل مَنْ يَسكُت عن عوراتهم ، ويغضّ عنها طرفًا .

فالعلماء الصادقون يُحارَبون من قبل أهل الباطل في كل زمان ومكان ، حيث يُفتون بما لا يُعجب أهل الرّيْب والفساد ، ومن ثم يُرمون عن قوس واحدة بما هم منه براء ، ثم تذهب الليالي والأيام ويبقى للعلماء ذِكرهم وثناء الناس عليهم .

ولا عجب أن تُحارب الدعوات الصادقة وتُلفّق الاتهامات لأصحابها ، كما تعرّضت دعوة الأئمة المجددين ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب ومن سار بسيرهم ، ودعا بدعوتهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ، وإلى تقديم الكتاب والسنة على آراء الرجال .

وكان ابن القيم - رحمه الله - أحد أولئك العلماء الصادقين ، الذين تعرّضوا قديمًا وحديثًا إلى النيل من أعراضهم ، بل وإلى إلصاق التُّهم العريضة الذين هم بريئون منها .

وقبل الدخول في سيرته ، وقبل أن أقف مع فوائد هذه السلسة ، وما فيها من تدارُسِ سيَرِ أئمة الهدى ، أودُّ التعريف بابن القيم ، والتفريق بينه وبين ابن الجوزي وسبب الخلط بينهما .

فأولًا: التعريف به - رحمه الله -:

هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي الدمشقي . الشهير بـ ( ابن قيّم الجوزية ) أو ابن القيم اختصارًا .

وُلِد - رحمه الله - سنة إحدى وتسعين وستمائة للهجرة .

وسببُ تسميته بابن قيم الجوزية ، أن والده - رحمه الله - كان قَيِّمًا على المدرسة الجوزية بدمشق ، والقيّم هو الناظر أو الوصي ، وهو ما يُشبه المدير في زمننا هذا .

وكان والدُ ابن القيّم من علماء دمشق .

وأما بالنسبة للخلط بينه وبين ابن الجوزي - رحمه الله - فإن سبب ذلك يعود إلى الاشتراك في التّسمية ، حيث إن المدرسة التي كان أبوه قيّمًا لها تُنسب لابن الجوزي ، إذ هو واقِفُها ، وهو - أي ابن الجوزي - واعظُ بغداد ، وصاحب المصنّفات الكثيرة ، وهو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن الجوزي القرشي البغدادي ، ت ( 597 هـ ) وهو مُتقدّم على ابن القيم . رحم الله الجميع .

وغَلِطَ في الخلط بينهما بعض الكتاب حتى نسبوا بعض كُتب ابن الجوزي إلى ابن القيّم .

وقد نشأ ابن القيم - رحمه الله - في بيت علم وفضل .

فأبوه وأخوه وابنُ أخيه وابناه عبد الله وإبراهيم كانوا من العلماء البارزين في عصرهم .

أخلاقه:

وكان - رحمه الله - صاحبَ هِمّةٍ عالية وخُلُقٍ فاضل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت