الصفحة 771 من 3812

قال عنه تلميذُه ابن كثير: وكان حسنُ القراءة والخُلُق ، كثير التّودد ، لا يحسِد ُأحدًا ولا يؤذيه ، ولا يستعيبه ، ولا يحقد على أحدٍ ، وبالجملة كان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله ، والغالب عليه الخير والأخلاق الفاضلة .

وقال عنه تلميذُه الآخر ابن رجب: وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجُّد وطول صلاةٍ إلى الغاية القصوى ، وتألُّهٍ ولهْجٍ بالذِّكر ، وشغفٍ بالمحبة والإنابة والاستغفار ، والافتقار إلى الله والانكسار له ... ولا رأيتُ أوسع منه علمًا ، ولا أعرف بمعاني القرآن والسُّنّة وحقائق

الإيمان أعلم منه ، وليس هو المعصوم ولكن لم أرَ في معناه مثله .

طلبُه للعلم:

طلب العلم صغيرًا ، فقد بدأ في طلب العلم وعمره سبع سنوات ، كما ذكر ذلك في كتابه النافع الماتع ( زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم ) فقد ذَكَر أنه سمِع من شيخه الشهاب العابر ، وشيخُه هذا توفي سنة ( 697 هـ ) وابن القيم وُلِدَ سنة ( 691 ) كما تقدّم .

وكان ابن القيم في أولِ حياته قد تأثّر ببعض أقوال أهل البدع إلى أن قيّض الله له شيخَ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - على ما ذَكَرَ هو في النونية حيث قال:

يا قومُ واللهِ العظيم نصيحةٌ *** من مشفق وأخٍ لكم مِعوانِ

جرّبت هذا كلَّه ووقعت في*** تلك الشباك وكنت ذا طيرانِ

حتى أتاح لي الإله بفضله *** من ليس تجزيه يدي ولساني

حبرٌ أتى من أرض حرّان فيا *** أهلا بمن قد جاء من حران

فالله يجزيه الذي هو أهلُه *** من جنة المأوى مع الرضوان

أخَذّتْ يداه يدي وسار فلم يَرُم *** حتى أراني مَطْلَعَ الإيمان

ورأيت أعلام المدينة حولها *** نزل الهدى وعساكر القرآن

ورأيت آثارا عظيما شأنُها *** محجوبةً عن زمرة العميان

ووردت رأس الماء أبيض صافيا *** حصباؤه كلالئ التيجان

ورأيت أكوابا هناك كثيرةً *** مثل النجوم لواردٍ ظمآن

ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي *** لا زال يشخب فيه ميزابان

ميزابُ سنته وقولُ إلهه *** وهما مدى الأيام لا يَنيان

والناس لا يردونه إلا من الـ *** آلاف أفرادا ذوو إيمان

وردوا عِذاب مناهل أكرِم بها *** ووردتم أنتم عذاب هوان

ثم لازم ابنُ القيمِ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية وأخذ عنه الكثير ، وكان أكثر ذلك بعد عودة شيخِ الإسلام من مصر سنة ( 712 هـ ) إلى أن مات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -

قال تلميذه ابن رجب: تفقّه في المذهب ، وبرع وأفتى ، ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وتفنن في علوم الإسلام ، وكان عارفًا في التفسير لا يُجارى فيه ، وبأصول الدين وإليه فيها المنتهى ، والحديث ومعانيه وفقهه ، ودقائق الاستنباط منه لا يُلحق في ذلك .

ومما يدلّ على سعة علمه واطلاعه كثرة مصنّفانه حتى أنه كان يؤلف ويكتب المجلدات في أسفاره

ومن ذلك أنه ألّف بعض الكتب في أسفاره ، فمن ذلك:

1 -مفتاح دار السعادة .

2 -زاد المعاد .

3 -روضة المحبين .

4 -بدائع الفوائد .

5 -تهذيب سنن أبي داود .

ولا غرابة في ذلك فهو تلميذ الإمام الجهبذ شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -

ولا غرابة أن يؤلف ويكتب ويُصنِّف في أسفاره ، فهو بحرٌ لا تُكدِّره الدلاء ، ولا أدل على ذلك من كتابه ( الداء والدواء ) وطُبِع باسم آخر ( الجواب الكافي ) فقد ألّفه إجابة على سؤال واحد وَرَدَ إليه .

ابتلاؤه وامتحانه:

الابتلاء سُنّةٌ ربانية ، وقد سُئل الإمام الشافعي - رحمه الله -:يُبتلى المرء أو يُمكّن له ؟

فقال: يُبتلى المرء ثم يُمكّن له ؟

وابن القيّم - رحمه الله - لم يتبوأ تلك المكانة العالية إلا بعد أن ابتُلي .

قال ابن رجب: وقد امتُحِن وأُذيَ مراتٍ وحُبِسَ مع تقيّ الدين في المرة الأخيرة بالقلعة منفردًا عنه ، ولم يُفرج عنه إلا بعد موت الشيخ .

كما امتُحن بسبب بعض فتاواه في بعض المسائل التي خالَف فيها علماء عصره ، والتي استبان له فيها الحق أو أنه رأى أن الحقّ فيما ذَهَبَ إليه مما أدّاه اجتهاده إليه .

ومن ذلك أنه أنكر شدّ الرحال إلى قبر الخليل .

قال ابن رجب: وقد حُبِسَ مدةً لإنكاره شدّ الرحال إلى قبر الخليل .

وأفتى في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد أنه يقع طلقة واحدة .

وكان مع ذلك - أي مع مخالفته للمذهب أحيانًا - شديد الاحترام للأئمة ، فهو يحكي أقوالهم ، ويستأنس بها لما يختاره .

قال - رحمه الله -: وكثيرا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب الراجح ونرجحه ، ونقول هذا هو الصواب وهو أولى أن يؤخذ به ، وبالله التوفيق .اهـ .

طريقته في التأليف:

ألفّ ابن القيم - رحمه الله - فكان يعتمد في مؤلفاته على الدليل من الكتاب والسنة ، فلا يُخالف الدليل متابعة للمذهب أو ردًّا للسنة ، حاشاه ذلك ولم يكن هذا من شأن العلماء بل هو من شأن السَّفَلة والبطّالين ، الذين ثَقُلَ عليهم الكتاب والسنة والتنقيب في بطون الكتب .

ثم إنه - رحمه الله - ( كما قال الشيخ الفاضل بكر أبو زيد ) : لا يتهم دليلًا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة ، أو ناقص الدلالة أو قاصرها ، أو أن غيرَه أولى منه .

قال: ومتى عرض له شيءٌ من ذلك فليتّهم فهمَه ، وليعلم أن البليّة منه .

ثم إنه - رحمه الله - يُقدّم أقوال الصحابة رضي الله عنهم على من سواهم .

ومما يُميّز مؤلفاته - رحمه الله - سعة علمه وشمولية أفكاره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت