الصفحة 772 من 3812

ومما يُميّز مؤلفات ابن القيم - رحمه الله - حُسنَ الترتيب والسياق ، وهذه ميزةٌ بارزة في مؤلفاته ، لا تكاد تجدها لسواه ، فكلامه مرتّب ، فهو يُعالج القضية التي بين يديه أو التي يُناقشها وكأنها تخصصه وفنّه الذي لا يُتقن سواه ، فهو كما ذكر معالي الشيخ صالح آل الشيخ عن شيخه الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله - فإنه قال: شيخ الإسلام يأتي إلى جدار الباطل فيهدمه بضربة واحدة ، وأما ابن القيم فينقضه حجرًا حجرًا .

ولا يعني هذا أن كلام ابن تيمية - رحمه الله - غير مرتّب ، فمن تأمل كتابه منهاج السنة النبوية أو الجواب الصحيح وغيرهما من كُتُبِه يجد في من ذك الشيء الكثير .

وابن القيم - رحمه الله - أفكاره مرتّبة سواء كان ذلك في الردود أو في تقرير المسائل أو في التقعيد والتأصيل .

ومن ذلك أنه - رحمه الله - لما أراد أن يُدلل على فضل العلم وشرفِه ساق فضله من أكثر من مائةٍ وخمسين وجهًا ، بدأ بالأهم فالأهم ، وذلك في المجلّد الأول من مفتاح دار السعادة ، وقد تقدّم أنه ألّف هذا الكتاب في بعض أسفاره .

ومما امتازت به مصنّفات ابن القيم - رحمه الله - الإنصاف ، فهو يُنصف خصومه وينظر إلى الأمور بعين إنصاف لا بعين هضم لحقوق الآخرين وإسقاط الرموز ، وغمر حسنات الآخرين المخالفين

لما قال صاحب منازل السائرين: اللطيفة الثالثة أن مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم .

قال - رحمه الله - متعقّبًا له: هذا الكلام إن اُخذ على ظاهره فهو من أبطل الباطل الذي لولا إحسان الظن بصاحبه وقائله ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين لنسب إلى لازم هذا الكلام ، ولكن من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ، ومن ذا الذي لم تَزِلّ به القَدَم

ولم يَكْب به الجواد .

وقال صاحب منازل السائرين في موضع آخر: الرجاء أضعف منازل المريدين ؛ لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه ، وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة وفائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة وتلك الفائدة هي كونه يبرد حرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى اليأس .

فقال - رحمه الله -: شيخ الإسلام (1) حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ونحن نحمل كلامه على أحسن محامِله ثم نبين ما فيه … فأما قوله الرجاء أضعف منازل المريدين فليس كذلك بل هو من أجل منازلهم وأعلاها وأشرفها وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله ، وقد مدح الله تعالى أهله وأثنى عليهم فقال: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا )

وقال في موضع ثالث: شيخ الإسلام - يعني الهروي - حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه ، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: عمله خير من علمه ، وصدق -رحمه الله - فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشقُّ له فيها غبار ، وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله ، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم .

وتلك الأخطاء لو وجدها صبيان الصحف لطاروا بها ولطيّروها ، ولَبَنَوْا عليها قصورًا ، ولَشيّدوا عليها منارات ، يظنّون أنهم بهذا الفعل أتوا بما لم تأت به الأوائل !

فهذا شيء من إنصافه ، وله وصيةٌ في ذلك .

قال - رحمه الله -: فإذا أردت الاطلاع على كُنه المعنى هل هو حق أو باطل فجرِّده من لباس العبارة ، وجرِّد قلبك عن النفرة والميل ثم أعط النظر حقه ، ناظرا بعين الإنصاف ، ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه ومن يحسن ظنه نظرا تامًّا بكل قلبه ، ثم ينظر في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشّزَر والملاحظة ، فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ ، والناظر بعين المحبة عكسه ، وما سلم من هذا إلا من أراد الله كرامته وارتضاه لقبول الحق . اهـ .

فما أحوجنا إلى هذا الأدب من هذا العالِم الرّباني ، وما أحوج الناس إلى الإنصاف ، وطلاّب العلم على وجه الخصوص .

وقد ألّف ابن القيم - رحمه الله - في شتى العلوم ، في التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلله ورجاله والفقه وأصوله ، واللغة ، والسلوك والأخلاق ، وله كتاب في الفروسية ، وله كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل كتاب حافل نافع في بابه لم يُسبق إلى مثله ، أفاد وأجاد فيه ، وله كتاب جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الآنام صلى الله عليه وسلم ، وهو كتابٌ فريدٌ في بابه كذلك ، وألّف كُتبًا في الفوائد التي كان ينتقيها ويجمعها بين الحين والآخر ، مثل: كتاب بدائع الفوائد ، وكتاب الفوائد .

وكان - رحمه الله - مُغرمًا بجمع الكتب ، ولذلك فهو في بعض كُتُبه ينقل أحيانًا عن مائة مصدر أو أكثر .

وهو شاعر مُجيد ، وناظم فريد فله القصيدة النونية الموسومة بـ ( الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ) فهي اسم على مُسمّى ( كافيةٌ شافية ) .

وله القصيدة الميميّة .

وله قصائد أخرى أجاد فيها وأفاد .

فمن ذلك قوله:

يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا *** أنت القتيل بما ترمي فلا تصب

وباعث الطرف يرتاد الشفاء له *** تَوَقَّهُ إنه يرتدُّ بالعطب

ترجو الشفاء بأحداق بها مرض *** فهل سمعت ببرء جاء من عطب

ومُفْنِيًا نفسه في إثر أقبحهم *** وصفا للطخ جمال فيه مستلب

وواهبا عمره في مثل ذا سفها ... *** لو كنت تعرف قدر العمر لم تهب

وبائعا طيب عيش ما له خطر *** بطيف عيش من الآلام منتَهَب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت