الصفحة 773 من 3812

غُبِنت والله غبنا فاحشا فلو اسـ *** ترجعت ذا العقد لم تغبن ولم تخب

وواردا صفو عيش كله كدر *** أمامك الورد صفوا ليس بالكذب

وحاطب الليل في الظلماء منتصبا *** لكل داهية تدنو من العطب

شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب *** وضاع وقتك بين اللهو واللعب

من أبرز تلاميذه - رحمه الله -:

ابن رجب الحنبلي صاحب المصنّفات المفيدة ، فَلَه ( فتح الباري شرح صحيح البخاري) ولكنه لم يُتمّه ، ولو أتمّه لكان أفضل شروح البخاري ، وله كتاب جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلِم .

ومن تلاميذ ابن القيم أيضا: ابن كثير صاحب التفسير والتاريخ المسمّى ( البداية والنهاية ) .

ومن تلاميذه كذلك الذهبي صاحب المصنّفات في علوم الحديث والتاريخ والتراجم .

وممن تتلمذ على يديه: السُّبكي ، وابن عبد الهادي ، والفيروز أبادي صاحب القاموس ، وأولاده هو ، وغيرهم .

وفاته - رحمه الله -

توفي - رحمه الله - ليلة الخميس الثالث عشر من شهر رجب من عام واحد وخمسين وسبعمائة للهجرة ، عن ستين سنة .

وصُلِّيَ عليه من الغد بعد صلاة الظهر بالجامع الأموي ثم بجامع جرّاح ، وقد ازدحم الناس على تشييع جنازته .

قال ابن كثير: وقد كانت جنازته حافلة - رحمه الله - شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة ، وتزاحم الناس على حمل نعشه .

الدروس والفوائد:

إنما تُذكر سيرُ هؤلاء الأئمة الأعلام لأخذ الفوائد والعبر والدروس ، ومن تلك الدروس:

1 -... ما نحن فيه في هذه السلسلة ، مِن ذِكرٍ لأولئك الأعلام ، وثناء عطرٍ على أولئك الأئمة وكأنهم يعيشون بيننا ، وكأننا نعرفهم معرفة الصديق لصديقه ، وما ذلك إلا لأنهم صدقوا مع الله فصدق الله معهم - فيما نحسب - والناس شهود الله في أرضه كما قال صلى الله عليه وسلم ، فيكون ذلك دافعًا ومرَغِّبًا في طلب العلم والاستزادة منه ، فالذِّكر للإنسان عمر ثاني .

قال ابن القيم - رحمه الله -: ومن تأمل أحوال أئمة الإسلام كأئمة الحديث والفقه كيف هم تحت التراب وهم في العالمين كأنهم أحياء بينهم لم يَفْقِدوا منهم إلا صورَهم ، وإلا فذكرُهم وحديثُهم والثناءُ عليهم غير منقطع ، وهذه هي الحياة حقا ، حتى عُدّ ذلك حياة ثانية ، كما قال المتنبي:

ذكر الفتى عيشه الثاني وحاجته *** ما فاته وفضول العيش أشغال . اهـ .

ولو لم يكن في العلم إلا ما قاله الإمام أحمد: موعدنا يومَ الجنائز ، لكان كافيًا في الترغيب فيه ، فهذه جنائز العلماء تشهد بذلك ، والعلم خير من المال كما قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . فالعلم خادم والمال مخدوم ، والعلم حارس والمال محروس .

فكيف وصاحب العلم مذكور في حياته وبعد مماته ، وسعيه مشكور في الدنيا والآخرة .

والأمر كما قيل:

يا رُبَّ حيٍّ رخام القبر مسكِنَه ... *** وربَّ ميتٍ على أقدامه انتصبا

وقيل:

الناس صنفان: موتى في حياتهمُ *** وآخرون ببطن الأرض أحياء

وقيل أيضا:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم *** وعاش قوم وهم في الناس أموات

ويعني هذا أن من الناس من يعيش في هذه الدنيا وهو - كما يُقال -: تكملة عدد ، ولله في وجودهم حكمة !

كما قيل:

إذا ما مات ذو علم وتقوى *** فقد ثُلِمت من الإسلام ثُلمة

وموتُ الحاكم العدلِ المولّى *** بحكم الشرع منقصةٌ ونقمة

وموت العابدِ القوّام ليلًا *** يُناجي ربّه في كل ظلمة

وموتُ فتىً كثير الجود محلٌ *** فإن بقاءه خصبٌ ونعمة

وموتُ الفارس الضرغام هدمٌ *** فكم شهِدتْ له بالنصر عزمة

فحسبُك خمسةٌ يُبكى عليهم *** وباقي الناس تخفيف ورحمة

وباقي الناس همجٌ رعاعٌ *** وفي إيجادِهم لله حكمة

والمقصود بهذا كما قال عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: الناسُ ثلاثة: فعالمٌ ربانيّ ، ومتعلّمٌ على سبيل نجاة ، وهمجٌ رَعَاع أتباعَ كلِّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق .

وقد ثبت في جامع الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا إن لدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكرُ الله وما والاه وعالِمٌ أو متعلم .

والجهل أضرُّ على صاحبه من المرض أو الموت .

وفي الجهل قبل الموتِ موتٌ لأهله *** وأجسامهم قبل القبور قبور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم *** وليس لهم حتى النشور نشور

فهذه أصناف الناس فاختر لنفسك من أيِّ الأصناف تريد أن تكون ؟

أتريد أن تكون ممن يُذكر في كل مجلس علم ؟ ويتردد اسمه فوق المنابر ؟ وممن وَرّث علمًا يُنتفع به فيجري عليه عمله إلى يوم القيامة ، كما في الحديث .

أو ممن يموت فلا يُدرى عنه ؟ وربما لا يُذكر بخير ولا يُترحّم عليه ؟!

وإن كان القطار فاتَكَ فلا أقل من أن تحرِص على من تحت يدك ، فكم ورّث من أبٍ عالمًا أفاد الأمة بعلمه ، وكم ورّثت من أمٍّ مِن عالم كان سببًا في هداية الخلق ؟

فعلى يدِ مَنْ تربّى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ؟

وعلى يد مَنْ تربّى خاتمة الحفاظ ابن حجر ؟

وغيرهم من علماء الإسلام .

واعلم أن من علماء الإسلام من لم يطلب العلم إلا بعد المشيب ، فمنهم من طلب العلم بعد الأربعين ، وإن تعجب فاعجب ممن طلب العلم بعد السبعين ! كما في ترجمة صالح بن كيسان

ولا تحقرن من المعروف شيئًا ، واعلم أن أفلام الكارتون لا تُخرّج علماء ولا رجال ، فاحرص على أولادك ومن استرعاك الله إياهم .

ألسنا نذكر أولئك الأئمةَ الأخيار الأبرار فنترحّم عليهم ، ونذكرهم بكلِّ خير ؟

بل ربما ذكرنا أولئك الأئمة أكثر من ذكرنا آبائنا وأقاربنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت