غُبِنت والله غبنا فاحشا فلو اسـ *** ترجعت ذا العقد لم تغبن ولم تخب
وواردا صفو عيش كله كدر *** أمامك الورد صفوا ليس بالكذب
وحاطب الليل في الظلماء منتصبا *** لكل داهية تدنو من العطب
شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب *** وضاع وقتك بين اللهو واللعب
من أبرز تلاميذه - رحمه الله -:
ابن رجب الحنبلي صاحب المصنّفات المفيدة ، فَلَه ( فتح الباري شرح صحيح البخاري) ولكنه لم يُتمّه ، ولو أتمّه لكان أفضل شروح البخاري ، وله كتاب جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلِم .
ومن تلاميذ ابن القيم أيضا: ابن كثير صاحب التفسير والتاريخ المسمّى ( البداية والنهاية ) .
ومن تلاميذه كذلك الذهبي صاحب المصنّفات في علوم الحديث والتاريخ والتراجم .
وممن تتلمذ على يديه: السُّبكي ، وابن عبد الهادي ، والفيروز أبادي صاحب القاموس ، وأولاده هو ، وغيرهم .
وفاته - رحمه الله -
توفي - رحمه الله - ليلة الخميس الثالث عشر من شهر رجب من عام واحد وخمسين وسبعمائة للهجرة ، عن ستين سنة .
وصُلِّيَ عليه من الغد بعد صلاة الظهر بالجامع الأموي ثم بجامع جرّاح ، وقد ازدحم الناس على تشييع جنازته .
قال ابن كثير: وقد كانت جنازته حافلة - رحمه الله - شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة ، وتزاحم الناس على حمل نعشه .
الدروس والفوائد:
إنما تُذكر سيرُ هؤلاء الأئمة الأعلام لأخذ الفوائد والعبر والدروس ، ومن تلك الدروس:
1 -... ما نحن فيه في هذه السلسلة ، مِن ذِكرٍ لأولئك الأعلام ، وثناء عطرٍ على أولئك الأئمة وكأنهم يعيشون بيننا ، وكأننا نعرفهم معرفة الصديق لصديقه ، وما ذلك إلا لأنهم صدقوا مع الله فصدق الله معهم - فيما نحسب - والناس شهود الله في أرضه كما قال صلى الله عليه وسلم ، فيكون ذلك دافعًا ومرَغِّبًا في طلب العلم والاستزادة منه ، فالذِّكر للإنسان عمر ثاني .
قال ابن القيم - رحمه الله -: ومن تأمل أحوال أئمة الإسلام كأئمة الحديث والفقه كيف هم تحت التراب وهم في العالمين كأنهم أحياء بينهم لم يَفْقِدوا منهم إلا صورَهم ، وإلا فذكرُهم وحديثُهم والثناءُ عليهم غير منقطع ، وهذه هي الحياة حقا ، حتى عُدّ ذلك حياة ثانية ، كما قال المتنبي:
ذكر الفتى عيشه الثاني وحاجته *** ما فاته وفضول العيش أشغال . اهـ .
ولو لم يكن في العلم إلا ما قاله الإمام أحمد: موعدنا يومَ الجنائز ، لكان كافيًا في الترغيب فيه ، فهذه جنائز العلماء تشهد بذلك ، والعلم خير من المال كما قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . فالعلم خادم والمال مخدوم ، والعلم حارس والمال محروس .
فكيف وصاحب العلم مذكور في حياته وبعد مماته ، وسعيه مشكور في الدنيا والآخرة .
والأمر كما قيل:
يا رُبَّ حيٍّ رخام القبر مسكِنَه ... *** وربَّ ميتٍ على أقدامه انتصبا
وقيل:
الناس صنفان: موتى في حياتهمُ *** وآخرون ببطن الأرض أحياء
وقيل أيضا:
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم *** وعاش قوم وهم في الناس أموات
ويعني هذا أن من الناس من يعيش في هذه الدنيا وهو - كما يُقال -: تكملة عدد ، ولله في وجودهم حكمة !
كما قيل:
إذا ما مات ذو علم وتقوى *** فقد ثُلِمت من الإسلام ثُلمة
وموتُ الحاكم العدلِ المولّى *** بحكم الشرع منقصةٌ ونقمة
وموت العابدِ القوّام ليلًا *** يُناجي ربّه في كل ظلمة
وموتُ فتىً كثير الجود محلٌ *** فإن بقاءه خصبٌ ونعمة
وموتُ الفارس الضرغام هدمٌ *** فكم شهِدتْ له بالنصر عزمة
فحسبُك خمسةٌ يُبكى عليهم *** وباقي الناس تخفيف ورحمة
وباقي الناس همجٌ رعاعٌ *** وفي إيجادِهم لله حكمة
والمقصود بهذا كما قال عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: الناسُ ثلاثة: فعالمٌ ربانيّ ، ومتعلّمٌ على سبيل نجاة ، وهمجٌ رَعَاع أتباعَ كلِّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق .
وقد ثبت في جامع الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا إن لدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكرُ الله وما والاه وعالِمٌ أو متعلم .
والجهل أضرُّ على صاحبه من المرض أو الموت .
وفي الجهل قبل الموتِ موتٌ لأهله *** وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم *** وليس لهم حتى النشور نشور
فهذه أصناف الناس فاختر لنفسك من أيِّ الأصناف تريد أن تكون ؟
أتريد أن تكون ممن يُذكر في كل مجلس علم ؟ ويتردد اسمه فوق المنابر ؟ وممن وَرّث علمًا يُنتفع به فيجري عليه عمله إلى يوم القيامة ، كما في الحديث .
أو ممن يموت فلا يُدرى عنه ؟ وربما لا يُذكر بخير ولا يُترحّم عليه ؟!
وإن كان القطار فاتَكَ فلا أقل من أن تحرِص على من تحت يدك ، فكم ورّث من أبٍ عالمًا أفاد الأمة بعلمه ، وكم ورّثت من أمٍّ مِن عالم كان سببًا في هداية الخلق ؟
فعلى يدِ مَنْ تربّى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ؟
وعلى يد مَنْ تربّى خاتمة الحفاظ ابن حجر ؟
وغيرهم من علماء الإسلام .
واعلم أن من علماء الإسلام من لم يطلب العلم إلا بعد المشيب ، فمنهم من طلب العلم بعد الأربعين ، وإن تعجب فاعجب ممن طلب العلم بعد السبعين ! كما في ترجمة صالح بن كيسان
ولا تحقرن من المعروف شيئًا ، واعلم أن أفلام الكارتون لا تُخرّج علماء ولا رجال ، فاحرص على أولادك ومن استرعاك الله إياهم .
ألسنا نذكر أولئك الأئمةَ الأخيار الأبرار فنترحّم عليهم ، ونذكرهم بكلِّ خير ؟
بل ربما ذكرنا أولئك الأئمة أكثر من ذكرنا آبائنا وأقاربنا .