الصفحة 774 من 3812

في كل يوم وفي كثير من بقاع الأرض وفي كثير من مساجد المسلمين يقرأ الإمام على جماعته من كتابٍ لعالم من العلماء فيُصدّر عبارته وقراءته بقوله: قال المؤلّف - رحمه الله - .

2 -... أن العلم هو الملك الحقيقي ، ولذا لما ابتنى معاوية بالأبطَح مجلسا جلس عليه ومعه ابنه قُرَظَة فإذا هو بجماعة على رحال لهم ، وإذا شاب منهم قد رفع عقيرته يتغنى:

من يساجلني يساجل ما جدًا *** يملأ الدلو إلى عقد الكُرب

قال: من هذا ؟

قالوا: عبدالله بن جعفر .

قال: خلُّوا له الطريق ، ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يتغنى:

بينما يذكرنني أبصرنني *** عند قِيد الميل يسعى بي الأغر

قلن تعرفن الفتى ؟ قلن:نعم *** قد عرفناه وهل يخفى القمر

قال: من هذا ؟

قالوا: عمر بن أبي ربيعة .

قال: خلُّوا له الطريق فليذهب .

قال: ثم إذا هو بجماعة وإذا فيهم رجل يُسأل ، فيقال له: رميت قبل أن أحلق ؟ وحلقت قبل أن أرمي ؟ في أشياء أشكلت عليهم من مناسك الحج ، فقال: من هذا ؟

قالوا: عبد الله بنُ عمر .

فالتَفَتَ إلى ابنه قُرَظَة وقال: هذا الشرف . هذا والله شرف الدنيا والآخرة .

وبينما كان الرشيد يومًا في مجلِسِ الخلافة سأل يحيى ابنَ أكثم:ما أنبلُ المراتب ؟ قال يحيى: قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين . قال: فتعرفُ أجلّ مني ؟ قلت: لا . قال: لكني أعرفه ؛ رجلٌ في حلْقه يقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال قلت:يا أمير المؤمنين أهذا خير منك وأنت ابنُ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليُّ عهد المؤمنين ؟ قال: نعم ، ويلَك هذا خير مني ؛ لأن اسمه مقترن باسم رسول الله لا يموت أبدا ، ونحن نموت ونفني والعلماء باقون ما بقي الدهر . رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث .

ولما قَدِم هارون الرشيد الرَّقة انجفل الناس خَلْفَ عبدِ الله بنِ المبارك و تقطعت النعال وارتفعت الغَبَرَة ، فأشرفت أمُّ ولدِ أمير المؤمنين من برجٍ من قصر الخشب ، فلما رأت الناس قالت: ما هذا ؟

قالوا: عالمٌ من أهل خراسان قدم الرَّقة يُقال له: عبدُ الله بنُ المبارك ، فقالت: هذا والله الملك ! لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان .

رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد .

وقال أبو الحسن بن فارس: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوةً ألذَّ من الرياسة والوزارة التي أنا فيها حتى شهدت مذاكرة سليمانَ ابنِ أيوب بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجِعَابي بحضرتي فكان الطبراني يَغلب بكثرة حفظه ، وكان الجعابي يَغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد ، حتى ارتفعت أصواتُهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبَه فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي ، فقال: هاتِه ، فقال: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب وحدّث بالحديث ، فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب ومني سمع أبو خليفة ، فاسمع مِنِّي حتى يعلو إسنادك !

فإنك تروي عن أبي خليفة عني ، فخجل الجعابي وغلبه الطبراني .

قال ابن العميد: فودِدتُّ في مكاني أن الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني وفرحت مثل الفرح الذي فَرِح الطبراني لأجل الحديث . رواه الخطيب في تاريخ بغداد .

قال ذلك ابن العميد ، ومن هو ابن العميد ؟

قال عنه الذهبي في السير: الوزير الكبير ، وقال أيضا: كان عجبًا في الترسّل والإنشاء والبلاغة ، يُضرب به المثل ، وقيل: بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتِمت بابن العميد .

3 -... كم من الأغنياء والأثرياء والوجهاء في زمن ابن القيم وقبله وبعده ذهبوا وذهبت وجاهاتهم وذهب معها ذكرهم ، وما ذلك إلا دليلٌ صريحٌ على أن العلم خيرٌ من المال كما تقدّم ، قال عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: مات خُزّانُ الأموال وهم أحياء ، والعلماءُ باقون ما بقيَ الدّهر .

وصدق الله: ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) .

وما دام ذكرُ لعبدٍ بالفضل باقيًا *** فذلك حيٌّ وهو في التربِ هالكُ

4 -... أن مَنْ أجَلّه الناس لأجل علمه بقيَ له الإجلال وبقيَ له التقدير والاحترام ، بخلاف من أجلّه الناس لأجل دنياه أو جاهه ، فإنه إذا ذهب عنه ذلك تركه الناس وهجروه ، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما عند البخاري -: نعم المرضعة ، وبئست الفاطمة .

وكانت العرب تقول: مَنْ وَدّكَ لأمرٍ مَلّكَ عند انقضائه .

وكان يُقال: إذا أكرمك الناسُ لمالٍ أو سلطان فلا يُعجبك ذلك ، فإن زوال الكرامة بزوالهما ، ولكن ليُعجبُك إن أكرموك لعلمٍ أو دِين .

قال الإمام مالك: بلغني أن أبا هريرة رضي الله عنه دُعيَ إلى وليمة فأتَى فحُجِبَ فَرَجَعَ فلبِس غير تلك الثياب فأُدخِل ، فلما وُضِعَ الطعام أدخل كمّه في الطعام ! فعوتب في ذلك، فقال: إن هذه الثياب هي التي أُدخلت فهي تأكل!!

وكانوا بنو عمي يقولون: مرحبًا ... *** فلما رأوني مُعسِرًا مات مرحبُ !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت