الصفحة 775 من 3812

5 -... ملازمة الشيوخ والأخذ عنهم ومشافهتُهم ، فقد استفاد ابن القيم من شيخه ابن تيمية كثيرًا ، ولازمه ملازمة الظلّ كما يُقال ، فتجده يقول كثيرًا: قال شيخنا ، سألت شيخي ونحو ذلك ، وانتفاعه بوصاياه أكثر ، فمن ذلك ما حكاه في مفتاح دار السعادة قال: وقال لي شيخ الإسلام - رضى الله عنه - وقد جعلت أورد عليه إيرادا بعد إيراد لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السِّفِنْجَة ، فيتشرّبها ، فلا ينضح إلا بها ، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمرّ الشبهات بظاهرها ، ولا تستقرُّ فيها ، فيراها بصفائه ويدفعُها بصلابته ، وإلا فإذا أَشْرَبْتَ قلبك كلَّ شبهة تمرُّ عليها صار مقَرًّا للشبهات . أو كما قال ، فما أعلم أنى انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك .

وقد لازم ابنُ القيم شيخَه ابنَ تيمية ستة عشر عامًا وهو يقرأ عليه فنون العلم .

ولهذا كان يُجلُّ شيخَه ويُثني عليه ، وهذا من الوفاء لمن تعلّم منه الإنسانُ علمًا .

ولم يكن تقديره لشيخه وإجلاله له لم يكن ذلك ليمنعه من مخالفة شيخه في بعض المسائل التي رأى أن الحق فيها خلاف ما ذهب إليه شيخُه ، فالحق أحقُّ أن يُتّبع .

وهو مع ذلك يقول: والله يشكر لشيخ الإسلام سعيه ويعلي درجته ويجزيه أفضل جزائه ويجمع بيننا وبينه في محل كرامته فلو وجد مريده سعة وفسحة في ترك الاعتراض عليه واعتراض كلامه لما فعل كيف وقد نفعه الله بكلامه وجلس بين يديه مجلس التلميذ من أستاذه وهو أحد من كان على يديه فتحه يقظة ومناما ، وهذا غاية جهد المقل في هذا الموضع فمن كان عنده فضل علم فليجد به أو فليعذر ، ولا يبادر إلى الإنكار فكم بين الهدهد ونبي الله سليمان ، وهو يقول له: ( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ) وليس شيخ الإسلام أعلم من نبي الله ولا المعترِض .

هكذا يجب أن ينظر طالب العلم إلى نفسه وإلى شيوخه ، وإن خالفهم في مسألة أو رأى .

أو استبان له الدليل وما شابه ذلك ، مما قد يخفى على الشيخ ويتّضح للتلميذ ، فإنه يجب أن يَعلم أنه حَفِظ شيئًا وغابت عنه أشياء .

فأوصي نفسي وأوصي إخواني بالحرص على تعلّم العلم النافع ، والتّلقي عن الشيوخ والاستفادة ممن بقيَ فربما احتاجت الأمة إليك كما احتاجت الأمة إلى ابن عبّاس فصار عالمها ومفتيها ، وكان يطلب العلمَ صغيرًا ، فقال لرجلٍ من الأنصار: هلم يا فلان فلنطلب العلم ، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء .

قال: عجبا لك يا ابن عباس ! ترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ فيهم ؟

قال: فتركت ذلك وأقبلت أطلب العلم .

6 -... أن فقد العلماء مصيبة يجب أن تكون عبرة وذكرى ، فيُسارَع إلى ملازمة الأحياء منهم قبل أن تتخطّفَهم يدُ المنون ، وكم ندِم المفرِّطون ولكن حينما لا ينفعُ النّدم .

7 -... أن العلم كنز خفيف الحمل ، يزيد بكثرة الإنفاق منه كما قال أبو إسحاق الألبيري - رحمه الله - وهو يُوصي ابنه أبا بكر:

أبا بكر دعوتُك لو أجبتا *** إلى ما فيه حظّك لو عقلتا

إلى عِلْمٍ تكون به إمامًا *** مُطاعًا إن نهيتَ وإن أمرتا

ويجلو ما بعينيك مِن غِشاها *** ويهديك الطريق إذا ضللتا

وتحملُ منه في ناديكَ تاجًا *** ويكسوك الجمال إذا عريتا

ينالُك نفعُه ما دمتَ حيًا *** ويبقى ذكرُه لك إن ذهبتا

هو العضبُ المهنّد ليس ينبو *** تُصيبُ به مقاتِل من أردتا

وكنزٌ لا تخافُ عليه لصًّا *** خفيف احِحملِ يوجدُ حيثُ كنتا

يزيد بكثرة الإنفاق منه *** وينقص إن به كفًّا شددتا

فلو قد ذقتَ من حلواه طعمًا *** لآثرتَ التّعلّمَ واجتهدتا

ولم يشغلك عنه هوىً مطاعٌ *** ولا دنيا بزخرفها فُتنتا

إلى أن قال:

ستجني من ثمار العجز جهلًا *** وتصغُرُ في العيون إذا كَبُرتا

وتُفقدُ إن جَهِلْتَ وأنت باقٍ *** وتوجدُ إن علمتَ ولو فُقدتا

8 -... أن نحرص على قراءة سير أئمة الإسلام وتتبع طريقتهم والإفادة منهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ، بخلاف من خالفوا نهج سلف الأمة ، وتعلّقوا بمناهج أرضية أو مِنْ وَضع خلف الأمة ، يجعلون لهم قواعد وأصول تخالف أصول أهل الإسلام من صنع بُنيّات أفكارهم ، فكم بُليَت الأمة بأمثال هؤلاء ، الذين وقفوا كما وقف حمارُ الشيخ في العقبة - كما يُقال - فلا هُم بالذين تعلّموا العلم وأخذوا به ، ولا هم بالذين بقوا على عقائد عجائز نيسابور ، فتخبّطوا في دياجير الظلمات ، وقالوا عن أئمة الإسلام: هم رجال ونحن رجال !

وصدق من قال: هم رجال وأنتم ذكور !!

أحدُ أولئك المتعالمين - وهو شابٌ من أبناء هذه البلاد - نُشِرَ له مقالات ، فصار يُدعى في المجالس ويتصدّر فيها ، وظنّ نفسه أنه إمام الأئمة ! حتى صار يَنال من أئمة الإسلام ويطعن في إمام أهل السنة أحمد بن حنبل بل ويُثني على شيخ المعتزلة والمبتدعة أحمد بن أبي دؤاد ، ويُعرّض بشيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية وابن القيم ، ولم يعلم أنه يقف مع أهل البدع في صفٍّ واحد ، ويرمي الإسلام بقوس أعدائه شاء أم أبى .

وليس النَّيْل من أولئك إلا طعنًا في الدِّين مِنْ طَرْفٍ خَفِيّ ، والطّعن في حَمَلَةِ الإسلام طعنٌ في الإسلام .

وكان أبو حنيفة - رحمه الله - يقول: سيرُ الرجال أحبُّ إلينا من كثير من الفقه .

لأن دراسة سير الرجال خصوصًا العلماء والصالحين تُكسب القارئ أخلاقًا حميدة ، بل وتُعرِّفُه على أسلاف أمّتِه وقدرهم وقيمتهم ، وتحثُّه على أن يسلك سبيلَهم ، ويتشبّه بهم فإن التّشبُّه بالكرام فلاح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت