الصفحة 805 من 3812

ووصف الدعوة بالمعاصرة أيضًا صالح لكل زمان ومكان ، وليس وصفًا خاصًا بالعصر الحديث كما قد يتوهم ، فدعوة الناس بلسانهم ولغتهم معاصَرة , واختيار الأسلوب الدعوى المناسب لموقف من المواقف معاصَرة واستخدام الوسائل المتوفرة في عصر من العصور لنشر الدعوة معاصرة ، وسيرته صلى الله علية وسلم في تمسكه بأصالة دعوته لا يحيد عنها ، ولا يقبل مساومة فيها وفى ذات الوقت معالجته واقع عصره ، وتخيره الأساليب النافعة لدعوته ، واستخدام جميع أنواع الوسائل المشروعة المتوفرة في عصره غير زاهد بشيء منها أمر لا يخفى على من اطلع على سنته صلى الله علية وسلم ، وقد سار الصحابة والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم على نهجه كما في جمع أبى بكر الصديق رضى الله عنه للقرآن، يقول الحافظ ابن حجر:"وليس ذلك من الزيادة على احتياط الرسول صلى الله علية وسلم ، بل هو مستمد من القواعد التي مهدها الرسول صلى الله علية وسلم ، وكذلك موقفهم رضي الله عنهم من إنفاذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه بعد موت رسول الله صلى الله علية وسلم. وهو موقف تتجلى لنا دقة الموازنة فيه بين الأصالة والمعاصرة فما أشار الصحابة رضوان الله عليهم ، وفيهم عمر بن الخطاب بعدم إنفاذه إلا خوفًا منهم على مصلحة الدعوة ورأيا منهم بأن الظروف قد تغيرت والمصلحة تقتضي بقاء هذا الجيش العظيم في عاصمة الدولة وحول الخليفة. وقد هددها ما هددها من عدو ماكر لدود ولم يجدوا في ذلك معارضة لأمر رسول الله صلى الله علية وسلم في إنفاذ الجيش وإنما هي مصلحة قد طرأت ، وظروف قد تغيرت يمكنها أن تقيد ذلك الأمر وما أبى أبوبكر رضي الله عنه - وهو الإمام - ذلك الإباء الشديد وحزم ذلك الحزم إلا وهو يرى المصلحة في إنفاذ ذلك الجيش ، وأنه أمر منه صلى الله علية وسلم يلزمه ويلزم المسلمين وقال قولته المشهورة:"والذي لا إله غيره ، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله علية وسلم ، ما رددت جيشًا وجهه رسول الله صلى الله علية وسلم ، ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله علية وسلم"وكان الخير والصواب في تصرف أبى بكر رضى الله عنه."

ضوابط الأصالة والمعاصرة:

لابد من التعرف على ضوابط الكلمتين حتى لا يساء فهمهما فتصاب الدعوة بالجمود أو تقع في التنازلات والتجاوزات. فليست الأصالة تحجرًا في العقول ، وليست المعاصرة أيضًا ميوعة في المواقف ولا ذوبانًا في الشخصية وليست الغاية من الدعوة إرضاء الناس وتحقيق رغباتهم ، وإنما هي هدايتهم ودلالتهم على الصراط المستقيم. قال تعالى:

( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن أتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا نصير ) [120البقرة]

ومن أهم هذه الضوابط:

1.المحافظة على الأصول الشرعية محافظة تامة ، والتمسك بالسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين والعض عليها بالنواجذ ( وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ سورة الحشر: آية 7] وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه قال:"وعظنا رسول الله صلى الله علية وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا ، قال:"أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ، وإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة" ( رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ) . والاتباع والتأسى بسنة رسول الله صلى الله علية وسلم وسنة خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم ، يشمل أقوالهم وأفعالهم ، كما يشمل سيرتهم العملية ومناهجهم التطبيقية. والاتباع في المناهج والأساليب مقدم في الأهمية على الاتباع في الأقوال والأحكام."

2.اجتناب البدع اجتنابًا كاملًا ، والحذر منها كل الحذر: ففي الحديث:"وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلاله" ( متفق عليه ) وفى الحديث أيضًا:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ( متفق عليه ) . ولابد هنا من حمل الأحاديث المطلقة على المقيدة وذلك ليصح فهمها ، والعمل بالمنطوق والمفهوم خير من العمل بأحدهما. كما في جمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه للناس في الصلاة التراويح ثم قوله بعد ذلك نعم البدعة هذه. فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم ، وأخرج البيهقي عن الشافعي أنه قال"المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا ، أو سنة ، أو أثرًا ، أو إجماعًا ، فهذا بدعة الضلال وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك ، فهذه محدثة غير مذمومة".

3.التمييز بين المناهج الدعوية الثابتة وبين الأساليب والوسائل المتطورة فمن المناهج ما هو رباني ثابت لا يجوز أن يطرأ عليه تحويل أو تغيير ، قال تعالى: ( فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا ) ومن الوسائل ما هو بشرى متطور ، يضعه الدعاة بما يتناسب مع المدعوين ، مجتهدين في ذلك مقتبسين له من منهج الله تعالى. وهذا النوع من الوسائل يتطور ويتغير بحسب المدعوين ، وتبعًا لظروفهم وأحوالهم ومستوياتهم. وإذا كان الأصل في المناهج الربانية الثبوت والاستمرار وعدم التحول ، فإن الأصل في الأساليب والوسائل والمناهج البشرية التطور والتحول إلى ما يناسب كل عصر و بيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت