الصفحة 806 من 3812

4.المحافظة على شرعية المناهج والأساليب والوسائل ، وتجنب مبدأ"الغاية تبرر الوسيلة"... فعلى المسلم أن يتجنب الحرام ، ولو توهم أن فعله قد يوصله إلى خير ، كما عليه أن يفعل الواجب ، وإن توهم أن تركة يدفع عنه شرًا ، فإن الشر لا يأتي بالخير ، وفى الحديث:"تحروا الصدق ، وإن رأيتم أن الهلكة فيه فإن فيه النجاة"وفى رواية - أخرى بزيادة:"واجتنبوا الكذب ، وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة"ولا يتعارض هذا مع ما ورد من ترخيص بالكذب في بعض المواطن - كاستثناء من حكم عام - كما في الحديث:"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فينمى خيرًا أو يقول خيرًا" ( متفق عليه ) . وفى رواية لمسلم بزيادة قالت أم كلثوم"ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث ، تعني: الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها".

5.مراعاة الاختلاف في الأحكام الشرعية ، فلا ينزل الأمر المختلف فيه ، منزلة الأمر المتفق عليه ، يقول سفيان الثوري:"إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه ، وأنت ترى غيره ، فلا تنهه: ويقول:"ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحدًا من إخواني أن يأخذ به"وقديما قالوا: وما كل خلاف جاء معتبرًا ..."

وعلى الإنسان أن يفرق بين الأحكام الشرعية القطعية التي لا يختلف فيها ، وبين الأحكام الاجتهادية المختلف فيها ، فيعمل بما ترجح لديه فيها - إن كان أهلًا للترجيح - ثم السلامة والحيطة لا يعدلها شيء. يقول ابن تيمية:"... نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة خلافًا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع".

6.التوسط والاعتدال في التمسك بالدين والبعد عن الغلو والتشدد ، وتجنب التقصير والتساهل . وفى الحديث:"هلك المتنطعون ، قالها ثلاثًا" ( رواه مسلم ) . قال النووي: المتنطعون: المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد"وفى الحديث أيضًا:"إن الدين يسر فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" ( رواه البخاري ) . قال ابن المنير:"في هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع ، وليس المراد منه طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة ، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال ، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل". وفى الحديث الذي رواه ابن ماجة:"يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم"."

7.الرجوع في حكم المسائل المستجدة إلى أهل العلم والاختصاص ؛ لتحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، قال تعالى: ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) وفى الحديث:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالمًا ، اتخذ الناس رؤوسا جهالًا ، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ( متفق عليه ) .

الأصل في العبادة التوقيف

وبعد هذا العرض السريع نذكر أنفسنا والمسلمين جميعًا بأن الأصل في العبادات التوقيف - أي إنها تؤخذ دون زيادة ودون نقصان - ومن سمات هذه الدعوة التطور لا الرجوع إلى الوراء ولكن هذا فيما يقبل التطور والتحضر والتقدم ، والمعاملات عمومًا الأصل فيها الإباحة إذا روعيت ضوابطها الكلية وطالما أنها لم تصطدم بنصوص الشريعة. وأن الخير كله في الاتباع لا في الابتداع ثم الحكم على الأمور بحق أو باطل وحسن أو قبح لا يعتبر فيه القدم لذاته ولا الحداثة لذاتها وإنما هو في موافقة الحق ، والتمسك بالأصول من جهة وفى مراعاة الظروف والأحوال ، وتغير الأزمنة والأمكنة في ضوء تلك الأصول من جهة أخرى ولا يجوز إنزال بعض الدعاة لأقوال وسلوك أصحاب دعوتهم ، ومؤسسي جماعتهم ورؤساء تنظيماتهم منزلة الأصول الثابتة والحجة القاطعة على الرغم من ثبوت خطئها أحيانًا أو ظهور عدم صلاحيتها في حال من الأحوال أو ظرف من الظروف. ولا يجوز أن نركن إلى أصحاب المنكرات فليست هذه معاصرة كما لا يصلح أن نعتزل ونهجر العصاة في مثل ظروفنا هذه فليست هذه أصالة وما شرع الهجر إلا لجلب مصلحة ولدفع مفسدة وهو أسلوب للعلاج لا للبتر ولا للإهلاك ، وما نفع الهجر في الماضي إلا يوم أن غلب على المجتمعات الصلاح ، وقد كان من مذهب عمر وأبي الدرداء وإبراهيم النخعي أنك لا تهجر أخاك عند المعصية فإن الأخ يعوج مرة ويستقيم أخرى وفى الحديث:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" ( رواه أحمد والترمذي ) .

الابتكار والتجديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت