الصفحة 813 من 3812

إن المتصور في هذه الطريقة أن نستثير اهتمامات الناس بالدين، لا أن نصل بهم إلى نقطة معينة في الالتزام بالدين، فالعملية الدعوية التي تفرز إنسانا ملتزما بالدين عملية معقدة، وهي أشبه بالدورة التي يلتقط فيها المدعو من كل بستان زهرة حتى تتكون لديه باقة من الأزهار إن أعجبته جمعها وزين بها بيته، فيعلم الداخل أن ذلك المدعو قد أعجب بتلك الأزهار، إذ لو لم تعجبه لما زين بها بيته، وقضايانا التي ندعو الناس إليها أشبه بتلك الأزهار، فيتلقى المدعو زهرة في مكان عمله، حتى إذا ركب وسيلة المواصلات وجد من يقدم له زهرة أخرى، فإذا أفضى إلى الشارع الذي يسكن فيه وجد من جيرانه من يقدمه له أخرى، ثم إذا عرج على دكان ليشتري شيئا وجد داعية في الدكان يهديه زهرة رابعة، ثم إذا دخل البيت قد يجد ابنه الملتزم يبادر إليه بزهرة خامسة، ثم تتوالى الأزهار على ذلك المدعو حتى تتم الهداية بتوفيق الله تعالى .

إن هذه الصورة التي رسمتها لك - أيها الأريب - هي أقرب ما تكون للواقع الذي نعيشه ونحياه، فالناس من حولنا يرون بساتين الصحوة في كل مكان، منهم من يجفل ويخاف، فيرقب من بعيد، فهذا يحتاج إلى تشجيع، ومنهم من يشك ويظن الظنون، فهذا يحتاج إلى إقناع، ومنهم من اقتنع ولكنه واهن العزيمة فهذا يحتاج إلى دفعة، ومنهم من اقتنع واندفع ولكنه انتكس وملّ، فهذا يحتاج إلى شحنة.. وكلما تعمقت في فهم أسرار الحركة الاجتماعية الدعوية ستعلم أن الدعوة الفردية من أكثر طرق الدعوة تأثيرا في المجتمع.

ــــــــــــــ

"30 طريقة لخدمة الدين"

الدعوة الفردية آمال ونصائح 2ـ2

في كتابه"صناعة الحياة"ذكر الشيخ الراشد أنه:"في أواخر القرن السابع عشر تقريبا دفع أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية بمحام يسمى هيوستن إلى مقاطعة من المقاطعات المجاورة للولايات المتحدة ، وقال له: إن أمريكا تحتاج إلى تلك المقاطعة ، وليس عندي من مال ولا عتاد ما أمدك به لتأتي إلي بهذه المقاطعة ، فجمع هيوستن ثيابه وذهب إلى تلك المقاطعة واستأجر مكتبا للمحاماة ، وفي بضع السنين عبر محاوراته ومقالاته في الصحف ومداولاته مع الوجهاء أقنع شعب تلك المقاطعة أن يطالب الانضمام إلى الولايات المتحدة ، وقد حدث المتوقع وتم الاستفتاء ، وضمت تلك الولاية التي سموها بولاية هيوستن امتنانا لجهود ذلك المحامي الذي لم يطلق رصاصة واحدة في سبيل ضم مقاطعة تعادل مساحتها مساحة نصف مساحة فلسطين تقريبا". فهل من مدكر ؟!!.

من خلال هذا الحدث تعلم قيمة الدعوة الفردية ومدى ما يمكن تحقيقه من خلالها ، وأنها يمكن أن تكون من أكثر طرق الدعوة تأثيرا في المجتمع .

ومن أراد أن يتصدى لهذا النوع من طرق الدعوة أو أن يحترف هذا السبيل وأن يتصدى لهذا الباب أن يتسلح بعدته، والتي أهمها الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

والحكمة وضع الأمور في نصابها ، والموعظة الحسنة هي التي لا غلظة فيها، والجدال بالتي هي أحسن هو ما كان مثمرا، لا الجدال العقيم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه وحذر منه بقوله: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا) وحمله العلماء على الجدال غير المثمر .

وصايا هامة

وهذه بعض الوصايا نسوقها إليك لاعتقادنا الفائدة فيها، وأنها من الأهمية بمكان حتى تستطيع ممارسة دعوتك بصورة أفضل:

أولا: اقتنع بالقضية واعتبر نفسك الجندي الوحيد في الميدان ، وأن معركتك مع شيطان الهوى سيحسم بمجهودك .

ثانيا: تبرأ من حولك وطولك واستيقن أن الهداية بيد الله عز وجل .

ثالثا: اختر الزمان والمكان المناسب ، إلا في بعض الحالات التي تقتضي الصدع بالحق خوف فوات الفرصة

رابعا: الأصل في سمتك الهدوء والابتسام ، فإذا احتجت إلى التجهم لصرامة الموضوع فلا بأس ، شريطة ألا يؤول ذلك إلى التنفير ، وأنت خبير بردود أفعال من أمامك .

خامسا: تكلم في المنكر الحالّ ، وتجنب النصح في أمور لا تعلم عن حال المدعو فيها شيئا ( إلا إذا كنت تعلم من المدعو أمرا بعينه يحتاج إلى النصح فيه ) ، فإذا رأيته يدخن فلتكن نصيحتك عن حرمة التدخين ، ولا تكلمه عن غض البصر مثلا حال كونك لا تدري: هل هو ممن يغض البصر عن المحرمات أم لا ؟

سادسا: الدعاة يتكلمون بلسان الشرع ، فلا بد من النطق بأحكام الشرع لا أحكام العرف ، فلا يناسب أن تنصح متبرجة قائلا إن السفور عيب ، بل يجب أن تعلم حكم الشرع فإن جهلته بينتَه لها .

سابعا: التنويع بين الترغيب والترهيب: فإن التخويف بالنار قد لا يصادف محلا عند البعض فلا بأس أن تميل بهم إلى الحديث عن البشارة ، وما أعد الله للطائعين ، ثم تردف ذلك بلفحة من نار جهنم .

ثامنا: البساطة والرشاقة: كن بسيطا في حديثك ، وتجنب التفيهق والتقعر واستخدام غريب الألفاظ والمعاني ، ومن لوازم الدعوة الناجحة رشاقة العرض ، ويكون ذلك بالتناسق بين تعبير الوجه ومعاني الكلمات وحسن المنطق وعدم التكلف في حركة الشفتين ولفظ الحروف ، وكذا التناسق بين تعبير الوجه ومعاني الكلمات مع حركة اليد ، ولتحرص على تناسب إشارة اليد مع حركة اليد لتكون معبرة عن ثقة في المتحدث وجدية في الحديث ، ويناسب عند الحديث عن الأمور الصارمة مثلا أن يشير بقبضة اليد ، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم شواهد على هذا المعنى .

تاسعا: ركز نظرك في وجه من تحدثه ، فللعين جزالة في التأثير وتعبير عن الصدق يفوق ما في فصيح الكلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت