الصفحة 816 من 3812

الاهتداء إلى الحق نعمة جزيلة ، وانشراح الصدر به خير عزيز ، وأول ما يجب على أصحاب الحق - وقد عرفوه - أن يفتحوا عيون الآخرين على ضوئه ، وأن يعرفوا الجاهلين به ، وأن يجعلوه في الحياة واضحًا كشعاع الشمس ، شائعًا كأمواج الهواء ، ذاك ما يفرضه الحق على أصحابه . ألا يجعلوه عليهم حكرًا ، وألا يحرموا من نفعه أحدًا ، وألاَّ يدعوا نفسًا تعيش بعيدة عن هداه ، وليس ذلك - بداهة - عن طريق القسر ، بل عن طريق لفت الأنظار وإيضاح الخلفي وشرح المبهم ، فإن فتك الجهل بالناس ذريع ، وغلبة الأوهام على أفكارهم تذهب بهم ، بددًا في كل فج ، وتخيل إليهم أنهم على صواب ، والواقع أنهم موغلون في الضلال ، والسر هو الجهل ، الجهل بأقسامه كلها ، من بسيط ، إلى مركب ، إلى جهالة الطيش والهوى ، والعالم بحاجة ملحة إلى أن ينشط أهل الإيمان الصحيح لشرح أصوله وإبداء صفحته ، ودحض الشبه المثارة حوله ، واستخراج الجهال من الكهوف المطروحين بها لتمتلئ صدورهم بأنفاس الحقيقة الرحبة .

لقد تدبرت أفكارًا وسيرًا شتى لجمهور من العصاة والأراذل ، فوجدت أن الجهل الفاضح ينسج حولهم غلالة قاتمة ، ويذرهم أشبه بقطعان الدواب في قصور الإدارك ، وعوج العمل ، وشدة الغفلة ، وانظر ما يفعل الله لنبيه إذ بعثه في العرب الأولين: ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) ( يس:6 - 9 ) ، هذه صورة مجتمع محبوس وراء جدران معتمة لا يتسرب منها بصيص نور ، ومن ثم نرى أصحابه صرعى الذهول والجمود ، وعلاجهم - ولو لينقطع العذر - أن تزاح تلك السدود ، وتذوب هاتيك القيود ، ويسلط على عقول هؤلاء وقلوبهم فيض من الوحي ، ينقلهم من حال إلى حال .

إن حاجة البشر إلى العلم الكثير كحاجة الأرض المجدبة إلى الغيث الهاطل ، ولابد أن يُسَخِّرَ الدعاة جميع وسائل التعليم والإيقاظ ، كي ينصفوا الحق ، ويوصلوه إلى الخلق .

وأمر آخر ، إن العالم نفسه قد ينسى ، وتشغله فتن العيش وصوارف اللغو عن القيام بما ينبغي منه ، وهنا يجيء دور التذكير في إبعاد سنة الغفلة عنه ، وكم من مبتعد عن الجادة تكفيه في العودة إليها همسة ناصح أو صيحة زاجر ، فإذا هو راجع إلى رشاده مستقيم على الصراط ، قال تعالى: ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) ( الذريات:55 ) .

وعمل الواعظين - في أغلب الأحيان - هو ذلك التذكير النافع ، وهو تذكير لا يستغني عنه الناس يومًا ، إذ طالما يعصف النسيان بأفكارهم، ويبعثهم على السير في الحياة دون وعي أو هدف، أليست تلك طبيعة البشر؟ قال تعالى: ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) ( الأنبياء: 1 - 3 ) .

وإسناد اللهو والهوى إلى القلوب يومئ إلى تغلغل الصوارف عن الجد ، واستحواذها على صميم الإنسان ، والنسيان بهذه الصفة مساو للجهل، فإن نتائج"فقدان الذاكرة"هي - نفسها - نتائج عدم العلم ، ولذلك يقول الله جل شأنه: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ( الحشر:19) .

وقد تتساءل: كيف ينسى المرء نفسه لأن نسى ربه ؟ أو تقول: إنما نسى ربه لأنه ذكر نفسه ! والجواب أن المنافقين المندفعين وراء شهواتهم المستغرقين في إشباع مطامعهم ورغائبهم لا يذكرون شيئا من مصالحهم الحقيقية ، ولا يستفتحون طريقًا يصون لهم معاشًا أو معادًا .

إنهم يرتعون في الدنايا رتع الدواب في الربيع حتى تهلك بشمًا واعتلالًا ، والشخص الذي تصرعه أهواؤه لا يدري شيئًا عن حاضره ولا مستقبله ، ولذلك يعتبر ناسيًا نفسه ، إنما جاء نسيانه لنفسه من نسيانه لربه ، ولو ذكر حقوق الله وانتصب لأدائها لآتاه الله رشده ، وبصَّره بما ينفعه ، ويرفعه ومَسَّكه بما يضمن العافية له في دينه ودنياه .

التذكير المستمر ضرورة إذن للناس جميعًا، ما بقوا بشرًا مطبوعين على النسيان ، وما اختلف عليهم الليل والنهار ؛ ذلك أن اختلاف النهار والليل ينسى ، كما قال الشاعر: وتزداد الحاجة إلى التذكير في بيئة عن بيئة ، فالبيئة الساذجة الخشنة ليست خطرًا على العفة كالبيئة المشحونة بالمغريات المستثيرة للكوامن ، ومن ثم فنحن نرى العصر الحاضر يوجب على حملة الإيمان حراسًا أضعافًا مضاعفة من اليقظة والحماسة لحماية الدين وأخذ الناس به ، وردهم كلما طاش لب أو أفلت قياد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت