الصفحة 817 من 3812

الدعوة إلى الحق واجبة في كل حين ، وهي في هذه الأيام أوجب ، والدفاع عن الحياة مطلوب ، وهو عند تحرش الذئاب ، وإحاطة الأخطار أحفز للحس وأدعى للاستعداد والانقضاض ، والسبيل إلى الله مهددة الآن بجحافل من الملحدين والفساق تجر العامة جرًا إلى الجريمة وتصرفهم صرفًا عن العبادة ، وتزين لهم بألف وسيلة ، أن يهجروا الإيمان والعمل الصالح ، وتلك حال تنفي النوم ، وتقض المضجع ، وهي حال تذكرنا بالخصائص الاصيلة في هذا الدين العظيم ، دين الإسلام ، إنه دين حريص على تجلية الحق ومقاومة الباطل ، يجأر بالدعوة ويصرخ بتوحيد الله ، ويهيب بالناس أن يقبلوا على الصلاة والفلاح بكرة وأصيلا ، دين ، ما إن يرى المنكر حتى يشتبك معه ، وينفر منه ، ويطوي الأفئدة على كرهه ، إنه دين لا يهادن الضلال لحظة . إن استطاع تغييره فعل ، وإلا ترك في القلوب فيه تغييره عند ما تسنح فرصة ، لقد زود الله هذا الدين بأسباب البقاء التي أعوزت ديانات سابقة ، فتلاشت تحت ضغط الوثنيات الجاهلة حينًا ، أو تحت ضغط الجبروت الحاكم حينًا آخر ، مصارع الديانات السماوية القديمة - لا مصارع بعض النبيين - هي التي جعلت العناية العليا تزوده بكتاب"لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان"بعد أن بادت كتب وطمس التحريف والإفك معالمها ، وبعد أن لانت أحكامها وتعاليمها للوّضاعين وعبّاد الهوى .

وهذه التجارب القديمة نفسها هي التي جعلت الإسلام يغالي بقاعدة الأمر والنهي ، فليس الصلاح أن تعبد الله وتحيا مسالمًا لمجتمع عاهر ، هذه عبادة مزيفة ، لا تنسب صاحبها إلى تقوى ، العبادة الصحيحة هي التي تدفع صاحبها إلى إنكار المنكر على درجة ماء ، جهد الطاعة ، والإسلام دين يتحرك بالحق ، ولا يسكن به ، إن الحركة سر الحياة ، والركود طريق الموت ، ومن هنا وصفت أمة الإسلام بالخاصة الأولى في دينها ، وهي الغيرة على الحق ، وطبع الحياة الخاصة والعامة به ، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ( آل عمران:110 ) .

ومهما ساء الأمر وأظلمت الدنيا ( فلا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) .

الدعوة إلى الله عبر الفضائيات.. بين الضوابط والمحاذير

لعل من نافلة القول أن العالم أضحى قرية صغيرة عقب ظهور وسائل الاتصال والثورة التقنية المدهشة التي باتت نتائجها واضحة على كافة أنحاء البسيطة، والحق أنه ما إن ظهرت القنوات الفضائية وانتشرت حتى بدأ يكثر الجدل حول إمكانية ظهور العلماء والدعاة من خلالها لتوجيه النصح والدعوة لعامة الناس، وعدم ترك المجال مفتوحا أما المفسدين لينشروا أفكارهم الهدامة متى شاءوا ، لاسيما وأن أغلب هذه القنوات أخذت تذيع ما شاءت دون ضوابط شرعية وأخلاقية.

ومع مرور الوقت تحول الأمر من مجرد جدل فرضي إلى مناقشات وخلافات ونزاعات قائمة في العديد من المنابر الفقهية ومراكز الفتوى وغيرها ، بناء على الظهور الفعلي لعدد من الدعاة في هذه القنوات، وأصبح طلاب العلم ما بين مؤيد ومعارض وكل له وجهة نظره.

وفي محاولة لوضع النقاط على الحروف التقت"الشبكة الإسلامية"عددًا من العلماء لعرض آرائهم حول قضية استغلال الدعاة القنوات الفضائية لنشر الدعوة إلى الله .

رسول لكافة البشر!!

قبل الخوض في الموضوع يذكرنا الأستاذ الدكتور جعفر إدريس (رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة) :"بأن وسائل الاتصال الحديثة تعتبر آية دالة على صدق النبوة المحمدية، ذلك أنها جعلت بلدان العالم كلها بمثابة البلد الواحد بعد أن كانت عدة بلدان في الماضي، ويرسل لكل أمة رسول، وفي هذا دلالة ناصعة أن محمدًا عليه الصلاة والسلام قد أرسل رسولًا للناس كافة لا لقومه خاصة".

ويرى الدكتور جعفر أن في هذه الوسائل فرصة لنشر الرسالة المحمدية، إلا أنها في الوقت نفسه تعتبر أكبر تحدٍّ يواجه الدعاة إلى هذه الرسالة ؛ لأنها ـ كما يقول ـ"إذا كانت قد يسرت لنا إيصال دعوة الإسلام إلى غير المسلمين، فقد سهلت لغير المسلمين ـ ولا سيما الغربيين ـ إيصال دعوتهم إلينا، بل إنهم وعبر هذه القنوات وغيرها استطاعوا أن يوجدوا لهم عملاء في بلادنا، هم من بني جلدتنا ويعربون بألسنتنا، ويكتبون في صحفنا، ويتكلمون في إذاعاتنا ويظهرون في قنواتنا، ولا همَّ لهم إلا دعوتنا للسير في ركاب الغرب، وأن نستنبط من أوروبا وأمريكا نظمنا السياسية، وأوضاعنا الاقتصادية، وقيمنا الخلقية، ونظرياتنا التربوية، وأساليبنا الأدبية، ونظرتنا التاريخية، بل وتصوراتنا الدينية. وهذا كله يتطلب من الدعاة مواجهة حقيقية لمحاولة صد تلك الهجمات من جهة وإيضاح الحق للناس من جهة أخرى".

قضية شائكة!!

هذا الوضع الذي تحدث عنه الدكتور جعفر، هل يعني بالضرورة ظهور العلماء والدعاة في هذه القنوات لإيصال رسالة الحق للناس، أم أن ذلك الأمر يعد من الممنوعات نظرًا لما تشتمل عليه غالب هذه القنوات من فساد عريض وتحلل واضح وبعد عن الأخلاق والقيم بل ومحاربة الدين والتدين؟

الدكتور عبد الله اللحيدان (الأستاذ المشارك بكلية الدعوة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) يرى أن قضية خروج العلماء والدعاة في القنوات الفضائية من الأمور الشائكة التي تحتاج إلى تريث وتأمل قبل الحكم بالمشاركة فيها أو عدمها، وذلك لما تشتمل عليه هذه القنوات من مخالفات واضحة للشريعة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت