الصفحة 818 من 3812

ويعرض الدكتور عبد الله لعدة إشكاليات تجعل مثل هذا الحكم أكثر صعوبة، فكثير من الناس يرى في خروج العلماء والدعاء في مثل هذه القنوات مبررا لمشاهدتها ومتابعتها معتبرين أن خروجهم يعني إقرارًا ضمنيا لما فيها.

والمشكلة الأخرى التي يعرضها الدكتور عبد الله هي: ما مدى استطاعة العلماء والدعاة إظهار دين الله على حقيقته في هذه القنوات، بمعنى هل بإمكانهم حقيقة بيان ما عليه هذه القنوات من مخالفات شرعية لا يقرها الدين، وبالتالي يرفضها أمثال هؤلاء العلماء، أم أن برامجهم تكون مسيّسة بحيث لا يتعرضون لمثل هذه القضايا، وهل يستطيع العلماء منع المحاذير الشرعية في البرامج التي يقدمونها، سواء ما كان يصاحب هذه البرامج من موسيقى في بداية البرنامج أو نهايته ، أو إعلانات تتخلل البرنامج قد اشتملت على ما ينافي الآداب والأخلاق، أو اختلاط يحدث .. أو غير ذلك من المحاذير الشرعية .

ثم -والكلام ما زال للدكتور اللحيدان- هل يبقى العلماء والدعاة على وقارهم ومكانتهم التي شرفهم الله بها أثناء خروجهم في مثل هذه البرامج، أم أن هذه الفضائيات تؤدي شيئا فشيئا إلى النيل من العلماء وإذهاب وقارهم وهيبتهم ، وبالتالي إلى الاستهانة بأحكام الله وشريعته.

كل هذه الأمور في نظر الدكتور اللحيدان توجب التريث التام قبل إبداء رؤية معينة تجاه هذه القضية، على أن الأمر في جملته راجع إلى تقدير المصالح والمفاسد تقديرًا صحيحًا مبنيّا على الأدلة والواقع بعيدًا عن العواطف والاندفاع والحماس.

وسيلة وليست غاية!!

أما الدكتور خالد القريشي (الأستاذ بكلية الدعوة) فيقرر أن القنوات الفضائية من الوسائل التي أنعم الله بها على عباده، فإن استغلت في الخير كان خيرها عظيما، وإن استغلت في الشر ظهر غير ذلك، وهذا هو ما يدعونا إلى القول بضرورة استغلال الدعاة لها وعدم إهمالها والبعد عنها.

ويفرق الدكتور القريشي بين نوعين من القنوات:

1-القنوات التي يغلب عليها الشر ، والمعروفة بمحاربة الإسلام والخروج على قواعده وأصوله وأحكامه، أو تلك المعروفة بترويج البدع والمنكرات.

2-تلك التي تشتمل على الخير والشر والتي ليس من أهدافها محاربة الإسلام والخروج عليه ولا نشر البدع والخرافات. فالأولى لا ينبغي للعلماء والدعاة الخروج فيها، أما تلك الثانية فيرى أهمية المشاركة فيها بما ينفع الناس ويبين لهم أمور دينهم.

ومع ما سبق، فإن الدكتور القريشي يرى أن العلماء الكبار الذين هم محل القدوة عند الناس ولهم المنزلة الرفيعة بينهم لا ينبغي لهم الخروج في مثل هذه القنوات ـ أيا كانت ـ إلا بعد أن تتوجه هذه القنوات التوجه الصحيح الموافق للشريعة الإسلامية، إذ إن خروج أمثال هؤلاء قد يوحي لبعض الناس بأن ما تشتمل عليه هذه القنوات من مخالفات ـ ولو يسيرة ـ أنه لا ضرر منها ولا إشكال فيها، بخلاف سائر طلاب العلم والدعاة فإن نظرة الناس لهم عادة على أن هذا اجتهاد شخصي منهم.

ومما يدعو إلى هذه الرؤية هو الآثار الإيجابية التي تستفاد من خروج طلبة العلم لبث علمهم بين الناس عبر هذه القنوات، والتي يأتي في مقدمتها بحسب الدكتور القريشي التجاوب الكبير من الجمهور، سواء عن طريق الأسئلة أو الاستفسارات أو غيرها، مما يعني وصول الخطاب الدعوي لفئة كبيرة من الناس وتفاعلهم معه، وهذا له أثر طيب على القريب والبعيد، هذا بالإضافة إلى تمكن بعض الدعاة من بيان كثير من الأخطاء التي تقع فيها هذه القنوات والمخالفات الشرعية التي تحتوي عليها برامجها.

أضف إلى ذلك - والكلام ما زال للدكتور القريشي الذي يتكلم من منطلق تجربته الشخصية - الآثار الإيجابية العديدة العائدة على بعض هذه القنوات والمتمثلة في زيادة البرامج الدينية ، وتغيير بعض البرامج الشديدة المخالفة ، وبث الروح الإسلامية بينهم ، ودفعهم لتقديم رسالة هادفة لجمهورهم، وهذا أمر ملموس ومشاهد ، وأثره إن لم يكن على المدى القريب فهو على المدى البعيد يؤتي ثمارا يانعة .

فسحة تأمل

وبعد هذه الجولة التي من خلالها عرضنا بعض وجهات النظر حول الدعوة عبر القنوات الفضائية، نعرض رأي الدكتور عبد الوهاب الطريري، والذي يتناول الموضوع من زاوية أخرى، حيث يعزو استنكار بعض الأخيار لظهور بعض الدعاة أو العلماء في الفضائيات إلى أسباب ومبررات نفسية غالبا، ويبين أن منطلقها النفرة من العفن المنتشر المندلق من أحشاء هذه القنوات الفضائية - على حد تعبيره - مبينا أن أمثال هؤلاء يخشون أن تعطي مشاركة هؤلاء الأفاضل شرعية لهذه القنوات.

ويدعو الدكتور الطريري الجميع إلى إعطاء فسحة للتأمل، وهو بذلك يقف وقفات تحليلية، تجاه هذا الأمر خاصة وتجاه هذه القضية بشكل عام، فيذكر أولا بعض المسلّمات التي ينبغي التنبه لها قبل الخوض في مثل هذه القضية، من ذلك كما يقول:

"إن هذه القنوات منطلقة منذ سنين لم تأخذ شرعيتها من مشاركة العلماء، وإنما فرضت نفسها مستغلة السآمة والإملال التي كانت وسائل الإعلام المحلية تغشيها لمستمعيها ومشاهديها".

ويؤكد الدكتور الطريري على أن مقاطعة هذه القنوات من قبل العلماء والدعاة لن تقلل فضلًا عن أن توقف ما تبثه هذه القنوات من تماجن وتفحش ولهو غير بريء، وعلى العكس من ذلك فإن المشاركة سوف تزاحم هذا الإلهاء، وتوقظ بعض الغافلين.

ويتساءل بعد ذلك ماذا كنا سنقول لو خرج في هذه الفضائيات صاحب بدعة يروج لبدعته، أو محرف للدين يزين انحرافه، أو ضال يدعو إلى ضلالته، ألسنا سنصيح صياح من تشتعل النار في ثيابه؛ لأن هناك من فتن الناس وأضلّهم، فما بالنا نرى الناس يقبلون الضلال ولا يقبلون الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت