ويضيف أيضا: هل ستظل مشاريعنا ومشاركاتنا مؤجلة بانتظار الكمال الذي سيأتي لاحقًا، فنتوقف بانتظار قناة فضائية فيها كل ميزات القنوات الموجودة وتخلو في الوقت ذاته من سلبياتها. إنه انتظار- ولا شك- طويل.
ثم من لهؤلاء اللاهين الذين استلبتهم هذه القنوات فخدرت مشاعرهم واستثارت شهواتهم، من لهم إذا لم نقتحم نحن عالمهم، ونحرك مشاعرهم ونُسمعهم الكلام الذي يجب أن يسمعوه؟
ويذكر هؤلاء الشباب بحقيقة هامة فيقول: عندما كانت بعض هذه القنوات تقدم نماذج منفرة على أنهم يمثلون الإسلام كنا نشعر بمضاضة الألم لهذا الطرح المشوَّه، ونرى أن هذه القنوات قد كسبت من وجهين: تقديم صورة مشوهة عن الإسلام من خلال فكر هؤلاء وطرحهم المتوتر. والوجه الثاني: الاستفادة من الإثارة الإعلامية التي يقدمها هؤلاء بالمجان لهذه القنوات.
لذا فإن الدكتور الطريري يرى أنه قد آن الأوان لتقديم البديل الصحيح من خلال الطرح العلمي المؤصل، والدعوة الخيَّرة المؤثرة على علم وبصيرة.
ويعود فيؤكد على أن الرفض - في أحيان ليست قليلة -قد يكون مرده نفسيا ً (سيكولوجيا) وليس استدلالا شرعيًا مؤصّلًا بنصوص الوحي ومقاصد الشرع، والنفوس تحتاج إلى أن تُرَاض للانقياد لمدلولات النصوص ، ولو خالف ذلك رأيها المسبق، واجتهادها حينًا من الدهر.
وردًّا على الذين يقولون: إن هذه القنوات تستغل العلماء والدعاة وتحقق من خلالهم انتشارًا وشهرة ونفوذًا ، يقول الدكتور الطريري: وهم أيضا - أي العلماء والدعاة - يستغلونها ويصلون من خلالها إلى قطاعات وشرائح اجتماعية لم يتم التواصل معها بعد، فكم رأينا الأثر الخيَر لمشاركة بعض الأفاضل، وتحقق - من خلال ذلك - وصول الكلمة الطيبة الهادية إلى من لم يتعود سماعها ولم يناد بها يومًا من الدهر.
أسواق الجاهلية!
وما إن ينتهي الدكتور الطريري من عرض وجهة نظره - الداعية لاستغلال القنوات الفضائية من قبل طلبة العلم للوصول إلى الناس وإيصال الحق لهم- حتى يعرض بعض الأدلة التي تؤيد ما ذهب إليه، فيذكر ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح (16020-16027) عن ربيعة بن عباد الديلي قال:"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصر عيني بسوق ذي المجاز يقول:"يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"ويدخل فجاجها، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت، يقول:"أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"... الحديث."
ويقول معقبًا على ذلك: فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يغشى أسواق الجاهلية التي كانت فيها الأصنام، وزقاق الخمور، وكان فيها الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب والاستقسام بالأزلام. ولم يجعل له - صلى الله عليه وسلم - سوقًا خاصًا ليأتيه الناس فيه، ولكن أتاهم حيث هم ودعاهم -صلى الله عليه وسلم-.
ثم يذكر الدكتور الطريري أيضا ما أخرجه أحمد (6/25) ، وابن حبان (7162) بسند صحيح عن عوف ابن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم- وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيدهم، وكرهوا دخولنا عليهم فقال - صلى الله عليه وسلم -"يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلًا يشهدون أن لا إله إلا الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم"...الحديث.
ويعقب على ذلك بقوله فها هو - صلى الله عليه وسلم - يدخل على اليهود في كنيستهم ليدعوهم بدعوة الإسلام، وكما دخل - صلى الله عليه وسلم - كنيستهم التي يتعبدون فيها، دخل عليهم بيت مدراسهم الذي يتعلمون فيه، ومما يدل على ذلك أيضا ما أخرجه البخاري في صحيحه (6944) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداهم"يا معشر يهود أسلموا تسلموا، فقالوا: بلغت يا أبا القاسم، فقال: ذلك أريد، ثم قالها الثانية ثم الثالثة.."الحديث. (بيت المدراس: هوالبيت الذي تقرأ فيه التوراة على الأحبار) .
ويتساءل الدكتور الطريري: ما الذي يمكن أن يقال في كنيسة اليهود وفي بيت مدارسهم أليس قولهم: يد الله مغلولة، وعزير ابن الله، والله فقير ونحن أغنياء، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرا.ً
ويخلص بعد ذلك إلى أن هذه القنوات ليست شرًا من كنيسة اليهود ولا بيت مدارسهم.
إني دعوت قومي!!
لكن الدكتور اللحيدان يرى أن الحوادث العينية لا يقاس عليها الأمور العامة، ويبين أن هناك فرقا بين الخروج في فضائيات المسلمين ليوجه خطابا دعويا للمسلمين وبين الخروج في قنوات الكفار ليوجه خطابه الدعوي لهم، فإذا ساغ الخروج في قنوات الكفار باعتبار أنه لا ذنب بعد الكفر، وأنه لا طريق لدعوتهم إلا غشيانهم في أماكن تواجدهم وتجمعاتهم، فإن الأمر يختلف بالنسبة لما يتعلق بالمسلمين، فإن الأمر يحتاج إلى نظرة أبعد من ذلك مع النظر في عمومات الأدلة والتأمل في المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك.