وبخلاف ما سبق من الأدلة يعرض الدكتور الطريري أدلة أخرى والتي تتبين في نظره جواز المشاركة في هذه القنوات فمن ذلك - كما يقول حفظه الله - قوله تعالى-:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"، وقوله:"وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره".. فنَهَت الآيتان عن الجلوس معهم حال إعلانهم بالكفر والاستهزاء، ولم تمنع من ذلك مطلقًا"حتى يخوضوا في حديث غيره"وكذلك المشارك في هذه القنوات هو بمشاركته يرفع الخوض واللهو واللغو ليُحِلَّ محله الدعوة للخير والحق .
قال الشيخ ابن سعدي في تفسير آية الأنعام"أمر الله بالإعراض عنهم حال خوضهم بالباطل حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره زال النهي المذكور، وهذا النهي والتحريم لمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله؛ لأنه كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، فإن استعمل تقوى الله بأن كان يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم"انتهى مختصرًا .
وما أروع قوله - رحمه الله - زوال الشر أو تخفيفه، فإن تخفيف الشر أو مكاثرته بقدر من الخير مكسب لا يستهان بالظفر به .
وقال تعالى عن نوح عليه السلام:"رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا* ثم إني دعوتهم جهارًا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا". ويعلق على ذلك الدكتور الطريري بقوله: إن هذا الجهد الدؤوب الذي لا ينقطع، ولا يكل ولا يمل، ولا يفتر ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا لا يكون إلا بإصرار على المواجهة لهم، ومتابعتهم حيث ذهبوا، والجلوس إليهم حيث اجتمعوا، ولو كان ذلك عند آلهتهم ودًّا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونَسْرًا.
الضوابط الشرعية للخروج في القنوات
أما الشيخ صالح المنجد فيقول: إن في القنوات الفضائية باطلا كثيرًا لا بد من التصدي له، وشر لا بد من مزاحمته، ورؤوس فتنة وأئمة مضلين لابد من التصدي لهم لبيان زيف مقالتهم وبطلان فتاواهم على الملأ من الناس من خلال الوسائل التي يصلون إليهم عبرها.
ويبين الشيخ المنجد أن هناك الملايين ممن لا يصل إليهم صوت الحق عبر الكتاب والشريط وإنما يصل عبر البث التلفزيوني.
ومع تأكيده على ضرورة اقتحام هذه الوسائل والمشاركة فيها منوها بالآثار الطيبة التي أثبتت نجاحًا واعدًا - كما يقول - فإن الشيخ المنجد يرى أن هناك ضوابط شرعية لا بد من توافرها حتى يجوز خروج الدعاة في مثل هذه القنوات، فأهمها أن يقول الداعية الحق ما أمكنه ولا يداهن، وليحذر من قول الباطل وإقراره، وإذا كان الساكت عن الحق شيطانا أخرس فإن المتكلم بالباطل شيطان ناطق.
ومن الضوابط ألا تكون القناة التي يخرج فيها متخصصة لأهل البدع، بحيث يعرفون بها ويشتهرون فيها.
ومنها كذلك ألا يوجد منكر ومحرم في الاستوديو أثناء عرض البرنامج كامرأة أو نساء متبرجات أو موسيقى تصدح في استوديو التصوير.
ثم إن على الداعية أن ينتهز ما أمكن من الفرص أو من خلال إجابة بعض الأسئلة ليبين للناس أن خروجه في هذه ا لقنوات المشتملة على أمور باطلة لا يعني إقرارا لها ولا تزكية لها، بل يبين حكمها الشرعي، ويدعو القائمين على القناة لتصفيتها من المنكرات.
وينبه الشيخ المنجد أنه إذا وجدت قناة إسلامية لها تأثير وانتشار فنستغني عن القنوات المختلطة.
كريزما مؤثرة
و لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى فتوى عن المشاركة في وسائل الإعلام ونصها: [ أنجح الطرق في هذا العصر وأنفعها استعمال وسائل الإعلام، لأنها ناجحة وهي سلاح ذو حدين، فإذا استعملت هذه الوسائل في الدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من طريق الإذاعة والصحافة والتلفاز فهذا شيء كبير ينفع الله به الأمة أينما كانت، وينفع الله به غير المسلمين أيضا حتى يفهموا الإسلام، وحتى يعقلوه ويعرفوا محاسنه، ويعرفوا أنه طريق النجاح في الدنيا والآخرة.
والواجب على الدعاة وعلى حكام المسلمين أن يساهموا في هذا بكل ما يستطيعون، من طريق الإذاعة، ومن طريق الصحافة، ومن طريق التلفاز ومن طريق الخطابة في المحافل، ومن طريق الخطابة في الجمعة وغير الجمعة، وغير ذلك من الطرق التي يمكن إيصال الحق بها إلى الناس، وبجميع اللغات المستعملة حتى تصل الدعوة والنصيحة إلى جميع العالم بلغاتهم.
وأخيرا يؤكد الدكتور الطريري على أن المكروبين من المشاركة في الفضائيات ليسوا الأخيار البررة الذين يتوقون إلى منابر إعلامية نقية لا لوثَ فيها، ولكن - أيضًا- هناك من كُرِب لذلك، وهم الممتعضون من بلوغ دعوة العلماء والدعاة إلى فضاء الفضائيات، ومثالنا على ذلك، ما كتبه أحدهم في إحدى الصحف يشنع على المشايخ الذين يسميهم بالشباب، وينقم عليهم ما يتمتعون به من"كاريزما مؤثرة"، ولا ندري كيف نناقش من لم يجد ما يتهم به إلا هذه الكاريزما
الوسائل النبوية في الدعوة إلى الله
أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأمره بالبلاغ والبيان، وإيصال الدعوة إلى كل من يمكنه إيصالها إليه ، فقام النبي بهذا الأمر حق القيام، ولم يدع صلى الله عليه وسلم سبيلا يمكن من خلاله أن يدعو إلى الله إلا سلكه ، ولا طريقًا إلا ولجه، فأرشد الدعاة بعده إلى استعمال كل وسيلة مهما تيسرت أسبابها وكانت مشروعة ، ومن الوسائل التي استخدمها المصطفى عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله:
أولا: الدعوة الفردية