الصفحة 823 من 3812

والترغيب في تقوى الله تعالى - لهذه العلة - يتضمن جزءًا من الحق لا شك فيه.

4)وقد نرغب في الإيمان والعمل الصالح ؛ لأنهما سبيل العيش والرغد وضمان الحياة السعيدة .

والمرء بطبيعته يحب النفع العاجل ، ويؤثر أن يجني ثمار استقامته وفرةً وأمنًا وسترًا ، ونحن نرى الإطماع بسعة العيش ويسر الرزق ينتقل في شتى الرسالات ، ألا ترى نوحًا - عليه السلام - يقول لقومه: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) ( نوح:10 - 12 ) ، ثم يجيء على لسان رسولنا - صلى الله عليه وسلم -: ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) ( هود: 3 ) .

ثم هو يعد الجماعة المؤمنة بالنصر والتمكين ، وانقضاء أيام الفزع والرهبة ، وطلوع فجر السيادة في الأرض ، والطمأنينة عليها . قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) ( النور:55 ) .

وهذه العِدةُ الجميلة من أسباب البقاء على الإيمان وتحمل مشاق الرسالة ، والترغيب في الخير بهذا الأسلوب يتضمن قدرًا من الحق كذلك لا مرية فيه .

5)وقد ندفع الناس إلى الرضا بمكاره الحق ، واحتمال تكاليف الإيمان بما قد ينتظرهم هناك في الدار الآخرة من نعيم مقيم ومنزل كريم .

ألا ترى الفارس المسلم"جعفر الطيار"يخوض غمرات الموت ويواجه حر الكفاح ولفحه المظمئ وهو يرتجز:

يا حبَّذا الجنَّة واقترابها طيِّبة وباردًا شرابها

إن الدنيا منقضية لا محالة ، إذ من الذي خُلِّد فيها قبلنا ؟ فكيف يمهد الإنسان لنفسه حياة بعدها ؟

إن الألوان الزاهية التي اصطبغت بها أوصاف الجنة تغري بالزاد المقرب إليها ، وتجعل العاقل يستكثر منه ويدخر . قال تعالى: ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ) ( الإنسان:20 - 22 ) ، وقد اطرد في القرآن الكريم والسنة المطهرة نعت الجنة بما يجعلها أمنية المتقين ، ومستقر الركب المرتحل بعد سفر طويل .

والترغيب في الصالحات بهذا الأسلوب مستقيم مع الحق ، ولا شيء فيه

الترهيب

كما تُقاد النفس عن طريق الرغبة تُقاد عن طريق الرهبة ، فتكف عن الرذيلة وَجلا مما يعقبها من منغصات ، أو تندفع إلى الفضيلة خوفًا من مغبة التراخي والتفريط .

1-فالذي يشتهي لذة محرمة قد تقمع سورتها في نفسه بذكر الله ذي الجلال ، والذي يستهين بالحقوق ويغير بقوته فيجتاحها دون مبالاة ، قد تخوفه بذي الجبروت ، الذي إذا سخط عليه خسف به ، والله سبحانه وتعالى قوي متين، وعزيز ذو انتقام ، وديَّان لا يموت . والتخويف به حق.

وأثر الخوف بعيد المدى ، إنه في الدنيا يصنع الكثير ، فالطالب الذي يخشى السقوط يُحصِّل علومه ، والتاجر الذي يخاف الإفلاس يضاعف نشاطه ، والموظف الذي يكره التخلف يثابر في عمله ، ولذلك قال يحيى بن معاد:"مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر لدخل الجنة".

وترك المعاصي تهيبًا لله واتقاء سخطه دين ، ومن حق الله أن يهاب ويخشى، وفي حكم الصالحين:"لا تنظر إلى صغر الخطيئة ، ولكن انظر إلى من عصيت"، وقال علي - كرم الله وجهه -:"إذا استعظمت الذنب فقد عظمت حق الله ، وإذا استصغرته فقد صغّرت حق الله ، وما من ذنب استعظمته إلا صغر عند الله ، وما من ذنب استصغرته إلا عظم عند الله ...".

والخوف الذي يتحدث الشارع عنه ليس شعور قلق تهتز به النفس ، ويذهب فيه اتزانها ، ويكوِّن ما يُسمى الآن عقدة .. كلا ، إنه إحساس فطريٌّ يؤدي نتائجه في سهولة ، فالنظيف - مثلًا - يتقي الأقذار ، ويخاف دنسها ، ويحتاط أن يعلق ببدنه أو ثوبه شيء منها ، وهذا الخوف كمال نفسي ، وليس مرضًا ولا شبه مرض .

2-والترهيب من الآثام قد يعمد إلى إبراز ما فيها من قذارة لا تليق بالإنسان العالي الشأن ؛ فالإسلام يسمي المعاصي قاذورات ، وينأى بالفطرة السليمة أن تتدلي إليها ، فضلًا عن تألُّف مواطنها ، والحقيقة أن المتأمل في أحوال المجرمين يرى مسخًا غريبًا في أنفسهم ، حتى لكأنهم يتحولون إلى أنواع من السباع والدواب ، وإن ظلوا في إهاب البشر ، ولا عجب ، فالمرء الذي يُمرَّن على الرذيلة ويستمرئها يصل إلى درك من السوء لا أمل بعده في سلامة، وهذا معنى قول الحسن:"إن بين العبد وبين الله حدًّا من المعاصي معلومًا ، إذا بلغه العبد طُبع على قلبه فلم يوفق بعدها إلى خير"، وهذا هو المسخ الذي وقع مثله لبني إسرائيل لما عتَوْا عن أمر الله .

والمغالاة بكرامة الإنسان ، وإفهامه أن المعاصي لا تليق بمنزله هي التي أوحت إلى"ابن القيم"أن يقول:

فحي على جنات عدْن فإنها منازلك الأولىَ وفيها المخيَّمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت