إن سوط الإرهاب تحوّل هنا إلى صوت عذب وحداء رقيق والمعنى واحد ، ولعل من ذلك قول عمر - رضي الله عنه -: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه .."."
والكشف عمَّا في الرذيلة من قبح ، شائع في الكتاب والسنة ، انظر كيف نصح الله أولياء اليتامى: ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) ( النساء:9 ) .
وانظر إلى نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي يحب الزنا ، كيف قال له: % (أتحب أن يكون لكذا ، وكذا ؟ ) % من محارمه .
إن هذا النصح يبين خاصة من خواص البشر ، تحدَّث عنها علماء الأخلاق ، وهي أنه شذوذ لا يمكن أن يتحوّل بين الناس قانونًا عامًا .
3-وقد نخوف من الذنوب ومواقعتها ، ببيان خطرها على الإيمان نفسه ، فالمعاصي بريد الكفر ، واقترافها - دون حذر - فجور يدل على موت القلب .
وفي الحديث: (( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا .. فطار ) )، ذلك أن الإيمان هو الصانع الأوحد للضمير الذي يوثق به ، فإن مراقبة الله جل شأنه أساس مكين في توقي الشرور والتحرز من الدنايا .
ولأمر ما أقسم الله بالنفس اللَّوامة ، والنفس اللوامة هي التي تترفع عن الإثم ، وتنفر عن مقارفته ومن مؤالفته ، وتدفع صاحبها أبدًا إلى حال أزكى ودرجة أرقى ، كأنها لا ترضى بما هي فيه حتى تنتقل إلى مرحلة أطيب ، فإذا بلغتها تكشف لها ما هو أعلى فتنشده ، وهكذا دواليك حتى تلقى الله .
ولأمر ما طُلبت منا التوبة النصوح ، والتوبة النصوح هي التي يتولد منها إحساس يقظ كأنه ديدبان حارس ، كلما دلف الشيطان ليزل الإنسان إلى معصية ، نبه إلى الخطر ، وحمي من السوء .
والنفس اللوامة والتوبة النصوح تسميتان تشيران إلى ذلكم الضمير الديني الوازع عن الشرور والباعث على الطاعات .
4-وقد يكون الإرهاب عن المعصية ببيان شؤمها في العاجلة وضررها الذريع في جسم الإنسان وأهله وولده ومكانته .
وبذلك ينزجر الإنسان عن مواقعتها خشية ما يصيبه من بلائها كأنه طائر أبصر الحب في الفخ فعلم أن حتفه فيه لو وقع عليه ، فهو يتركه نجاة بنفسه ، وطلبًا للسلامة .
والواقع أن المعاصي مفتاح لمصائب فادحة وكرب جسام ، والرتع فيها يجر الويلات على الأفراد والجماعات ، قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) ( الشورى:30 ) ، ولولا أن الله يهب للخلائق فسحة ليستفيقوا ويقالوا لكان المحق هو الجزاء السريع لمخازيهم ، وتلك رحمة من الله، فهل يستغلها العصاة ؟ قال الله تعالى: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ) ( فاطر:45 ) ، وهذا التأخير لا يعني إرجاء العذاب إلى يوم القيامة ، فإن لكل سيرة رديئة أجلًا موقوفًا تستحق عنده العقوبة ، ثم تنزل بالفرد أو الجماعة في هذه الدنيا قبل الآخرة ، قال تعالى: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ( السجدة:21 ) ، وقد انتشرت في الكتاب والسنة النذر بتلك العقوبات العاجلة .
روى البيهقي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: %(يا معشر المهاجرين ، خصال خمس ، إن ابتليتم بهنَّ ونزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ:
1-لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون وظهرت الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم .
2-ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان .
3-ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يُمطروا.
4-ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم .
5-وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم شديد .. )) %%.
وفي الحديث: % (خمس تُعجّل عقوبتهن: البغي ، والغدر ، وقطيعة الرحم ، وعقوق الوالدين ، ومعروف لا يُشكر) %% .
وفي القرآن الكريم بيان لعقوبات نزلت بأمم تمردت على الله وجارت عن الطريق، فسلبت النعمة التي طالما مرحت فيها ، وحل بها ما لم تكن تتوقع ، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ) ( سبأ: 15 - 17) ، وقال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (النحل:112 ) .