الصفحة 825 من 3812

على أن عقوبات الآحاد والأمم تخضع لسنن عليا ، وتضبطها آماد ليس إلا الله يعلم موعدها ، وقد كان الأنبياء من نوح إلى محمد - صلى الله عليهم وسلم - يوجلون من تحديد هذا الموعد ، ويجيبون المستهزئين والمستعجلين بأن ذلك ليس إليهم، قال الله تعالى: ( قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) (هود:33 ) ، ويجري الله على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا القول: (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) ( الأنعام: 57 ) .

وقد نرى أفرادًا وأممًا تُستدرج إلى مصيرها الفاجع بكثرة النعم - على ما فيهم من معاصٍ - وفي هذا يقول الله عز وجل: ( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ( التوبة:85 )

( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) ( آل عمران: 196 ، 197) .

وقد نرى آحادًا من الناس يرتكبون الذنب أيسر مما يصنع أولئك الفجرة ، فيعاقبهم الله بشيء من الحرمان كما جاء في الحديث: % (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) %% ، وذلك منه سبحانه تأديب لمن يريد تقويمهم في الدنيا ليلقوه في الآخرة مطهرين .

6-وقد نحض الناس على أنواع الخير ، ونحجزهم عن ضروب الشر ، بذكر الآخرة وما في جهنم من عذاب شديد ، ومهانة بالغة ، قال تعالى: ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) ( المزمل:18 ) ، فخوف من الكفر بعذاب يوم القيامة ، وقال تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) (الإنسان:8 - 11 ) .

وفي الحديث: % (اتقوا النار ولو بشق تمرة ) %% ، وفي الحديث أيضًا: % (دخلت امرأة النار في هرة حسبتها ، فلا هي أطعمتها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) %%.

والتخويف بالنار ، ووصف صنوف العذاب المعد فيها يستغرق جزءًا كبيرًا من الكتاب والسنة ، وما دامت النار حقًا ، وما دامت معدة للسفلة يقينًا ، فلِمَ يكون التخويف بها عيبًا ؟؟

فعلى الدعاة أن يستخدموا هذا الأسلوب الذي بينه لهم القرآن ، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته ، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )

الكتابة.. أسلوب دعوي ناجح

الخطابة من شعائر الإسلام ، ودلائل بالحياة وسعيه إلى الامتداد ، وربما كان تأثيرها الروحي نفاذًا أخاذًا ، خصوصًا إذا كان الخطيب صاحب عقيدة تزحم أقطار نفسه ، وتضطرم بها مشاعره . إنه حينئذٍ يشعل الجماهير حوله كما تشمل النار الهشيم .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلًا أعلى في صدق اللهجة وعمق التأثير ، وكان إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشند غضبه ، كأنه منذر جيش يقول: (( صبحكم ومساكم ) )، ويقول: (( بعثت أنا والساعة كهاتين ) )، ويقرن بين إصبعيه للسبابة والوسطى ، ويقول: (( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ... ) ).

ولما كانت نفس الخطيب المؤمن تشبه مولدًا للكهرباء ، فإن الإيمان ينسكب من نفسه مع ألفاظه يشق طريقه إلى القلوب شفًا . ومن ثم كان الجيل الذي صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير الأجيال ، لعظم ما أفاد منه وانتفع به وأفاد الدنيا ونفع .

ومع هذه المنزلة للخطابة فإن لها قسمًا لا يقل عنها جدوى ، ولا تستغني الدعوة عنه أبدًا ، وهو الكتَابة ، بل إن ما ارتبط بالخطابة من أجواء عاطفية يجعل مجالها متجهًا إلى المشاهدة قبل كل شيء ، وإن اعتمدت على سلامة المنطق بداهة ، لكن الكتَابة على العكس ، تتجه إلى العقل وتقوم على الاستعراض المنظم المتأني للأدلة المؤيدة والمفندة ، ولا بأس أن ينضم إلى ذلك أسلوب جيد وسياق جذاب .

ثم إن الخطابة موقوتة الفرص ، منتهية بانتهاء مجالسها ، وانفضاض مجامعها ، أما الكتابة فهي أخلد على الزمن وأعصى على الفناء ، والواقع أن الخطب النفيسة ، تتحوّل إلى أدب مكتوب ، فإن كانت حافلة بعلم نافع أو وعظ بليغ كان بقاؤها في الصحائف امتدادًا في إمكان النفع بها ، وإن كانت صاحبها قد مات ، وضاع الأثر المقترن بسماعها منه وهي تنبض بالحياة من فمه ، وتخرج مفعمة بخصائص نفسه !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت