الصفحة 826 من 3812

والكتابة المؤلفة في خدمة الرسالات المختلفة كثيرة ، ومداها في نشر الدعوات بعيد ، وحسبنا أن الإسلام يعتمد في خلوده ، ونضارة رسالته ، وتجدد دعوته على كتاب فَذّ هو معجزة الدهر ، وصوت السماء الصدوق المبين ، قال تعالى: ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ( فصلت:42 ) ، ومنذ بدأ الإسلام والمؤلفون دائبون على مدرواته بالقلم ، حتى لقد رُوي في الأثر - مبينًا لهذا الجهد - (يُوزن مداد العلماء بدم الشهداء يوم القيامة) .

والكتابة العلمية تزحم تراثنا الثقافي ، وتدفع به إلى الطليعة في المواريث الأدبية لأهل الأرض ، بل نستطيع الجزم بأن دينًا من الأديان ، أو مبدأ من المبادئ لم يصنع الحركة العقلية الجبارة التي صنعها الإسلام في العالم ، والتي أنشأ بها حضارة مازالت فيها كل الغنى بأسباب القوة والازدهار ، والمنقبون الآن في مخلفات الفكر الإسلامي كأنما ينقبون في أرض مليئة بآبار البترول أو مناجم الذهب والحديد ، كلما بحثوا عثروا على كنوز مدفونة ، وخير خبيء ، وعظمة غطاها التراب !!

ولا عجب ، فإن الفجر الذي طلع به القرآن الكريم على الوجود ، أنعش العقل الإنساني إنعاشًا لا نظير له ، وأطلقه ينشط ويجوب ويكدح .

وإذا كان هناك مأخذ على هذا النشاط ، فهو أنه بلغ أحيانًا حد الإسراف الذي يجهد ولا يغني .

وطبيعي أننا في تلك الأوراق المحدودة لا نؤرخ ولا نتابع الكتابة العلمية لنشر الدعوة الإسلامية وإيضاح أصولها وفروعها ، فذاك مبحث تفرد له مجلدات ، وإنما نريد هنا إثبات ملاحظتين صغيرتين تتعلقان بموضوعنا:

أولاهما: أن الكتابة الأدبية في خدمة الإسلام ليس لها اتساع الكتابة الفنية وانتظامها، وأعني بالكتابة الأدبية ما يذكي العاطفة الإنسانية بعد ربطها بالإسلام ، وأخذها بتعاليمه وعباداته ، وقد تكون للصوفية كتابات ، وأخطاؤهم الكثيرة تشوب هذا اللون من الأدب وتجعل الاستفادة منه عسرة أو خطرة .

وفي عصرنا هذا ارتقت الكتابة الأدبية التي أنوِّه بها في آثار رجلين جليلين هما: الشاعر الهندي محمد إقبال، والأديب العربي مصطفى صادق الرافعي في كتابه ( وحي القلم ) ، والذي أريده ، لون من الأدب الديني يرسم معالم الإسلام كما يرسم الشاعر المفتون بالطبيعة الحدائق الناضرة ، والسماء الضاحية ، والنجوم الزهر ، والليل الساجي . نحن فقراء في هذا الضرب من الكتابة الراقية ، مع شدة الحاجة إليها في تربية العواطف وصقلها باسم الله .

والملاحظة الأخرى: أن الكتابة العلمية - التي استبحرت قديمًا ثم جمدت أيام الانحلال والتخلف وهجوم الاستعمار ـ لا تزال دون تقدم الوعي الإنساني في هذا العصر ، ودون اتساع دائرة التعلم والتعليم ، وانكماش الأمية الفكرية في كل قطر .

إن المحدثين مازالوا عالة على القدامى ، ولولا صلاحية القرآن لشتى الأعصار لكان تخلف المسلمين العلمي سببًا في زوالهم ، والمطلوب أن ينتفض الجيل المعاصر انتفاضة الحياة ، ويشرع في خدمة الإسلام ، الخدمة العلمية المناسبة لهذا العصر .

وإني لأذكر - محزونًا مكروبًا - أن العلماء المجددين لأمر الإسلام يكافحون في وجه عنت هائل ، ويبذلون جهود الجبابرة ثم يطويهم الجهل والغمط والنكران ، فما يكاد ينتفع بآثارهم إلا الأقل الأقل .

لقد مات محمد فريد وجدي بعد حياة مليئة بالمجد العلمي ، وها هو ذا قد مرت بضع سنين على موته ، فما ذكره أحد بكلمة رثاء ، ولا طبع له كتاب نقد ، ويوشك أن يطويه ومؤلفاته النسيان ، فما هذا ؟ والحال كذلك بالنسبة إلى الشيخ محمد رشيد رضا ، العالم الأديب الجليل الشأن ، وأعرف غيرهم من أصحاب الأسماء التي لم تحظ بالشهرة ، وإن أسدت للإسلام أعظم المنافع ، فالشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ، رتّب"مسند ابن حنبل"وفق الأحكام الفقهية في خمسة وعشرين مجلدًا ، ومع ذلك فقد ترك الدنيا وكأنه رجل أمي لم يخط حرفًا ، فضلًا عن أن ينشئ هذا العمل الضخم ، وإن قليلًا جدًا هم الذين أحسُّوا فقده ، ولسنا نأسى على الموتى ، فقد أفضوا على الله تعالى الذي يضاعف الحسنات ، وإنما نأسى على الأحياء الذين لا يحسنون الانتفاع بثمرات المجددين الذين عاشوا مع الزمن يدفعون عن الإسلام ، ويحرسون أركانه ، ويجلون بريقه .

إن الكتابة العلمية الواجبة في هذا العصر يجب أن تتسع وتطرد ، وهناك أمور ذات بال نحب أن نلفت إليها حتى يؤدي القلم حق الإسلام عليه في ذكاء وحصافة ومقدرة ، وفق مقتضيات الأزمات

برنامج عملي للدعوة بين الأقارب

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما: أنه % [لما نزل قول الله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) [الشعراء:214] ، أتى النبي الصفا، فصعد، ثم نادى: (يا صباحاه!) فاجتمع الناس إليه، بين رجل يجيء إليه، ورجل يبعث رسوله، فقال رسول الله: (يا بني عبد المطلب! يا بني فهر! يا بني لؤي! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟) قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد].

فها هو محمد المبعوث للناس كافة، يوجه نداء خاصًّا إلى الأهل والقرابة والعشيرة استجابة لأمر الله جل وعلا.

ودعوة الأقارب والأهل والأرحام من الصلة والبر، بل إن الدلالة على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبر البر والإحسان، والدعاة في جانب الدعوة العائلية على ثلاثة أحوال إلا من رحم الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت