الصفحة 83 من 3812

أى: وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لهداية الناس وإرشادهم إلى الحق إلا رجالا مثلك ، وقد أوحينا إليهم بما يبلغونه إلى أقوامهم ، من نصائح وتوجيهات وعبادات وتشريعات ، وقد لقى هؤلاء الرسل من أقوامهم ، مثل مالقيت من قومك من أذى وتكذيب وتعنت في الأسئلة .

فالمقصود من الآية الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم والرد على المشركين فيما أثاروه حوله صلى الله عليه وسلم من شبهات .

وقد حكى القرآن في مواطن عدة إنكار المشركين لبشرية الرسل ورد عليهم بما يخرسهم ، ومن ذلك قوله - تعالى -: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى . . } وقوله - تعالى -: { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا } وقوله - تعالى - { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات فقالوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ واستغنى الله والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ } والمراد بأهل الذكر في قوله { فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } علماء أهل الكتاب أى: لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر في كل زمان ومكان ، فإن كنتم في شك من ذلك - أيها المكذبون - فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى ، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة .

وهذه الجملة الكريمة معترضة بين قوله - تعالى - { وما أرسلنا . . } وبين قوله بعد ذلك: { بالبينات والزبر . . } للمبادرة إلى توبيخ المشركين وإبطال شبهتهم ، لأنه قد احتج عليهم ، بمن كانوا يذهبون إليهم لسؤالهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

وفى قوله - تعالى - { إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } إيماء إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل لا يكونون إلا من البشر ، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة ، والتمويه لتضليل الجهلاء ، ولذا جئ في الشرط بحرف"إن"المفيد للشك .

وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف ، دل عليه ما قبله . أى: إن كنتم لا تعلمون ، فأسألوا أهل الذكر . وقيل المراد بأهل الذكر هنا: المسلمون مطلقا ، لأن الذكر هو القرآن ، وأهله هم المسلمون .

ونحن لا ننكر أن الذكر يطلق على القرآن الكريم ، كما في قوله - تعالى - { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } إلا أن المراد بأهل الذكر هنا: علماء أهل الكتاب ، لأن المشركين كانوا يستفسرون منهم عن أحوال النبى صلى الله عليه وسلم ، أكثر من استفسارهم من المسلمين .

قال الآلوسى ماملخصه قوله - تعالى -: { فاسألوا أَهْلَ الذكر . . } أى: أهل الكتاب من اليهود والنصارى . قاله: ابن عباس والحسن والسدى وغيرهم .

وقال أبو حيان في البحر:"والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب ، لأنهم الذين لا يتهمون عند المشركين في إخبارهم بأن الرسل كانوا رجالا ، فإخبارهم بذلك حجة عليهم . والمراد كسر حجتهم وإلزامهم ، وإلا فالحق واضح في نفسه لا يحتاج إلى إخبار هؤلاء . .".

قالوا: وفى الآية دليل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم ، وعلى أن الرسل جميعا كانوا من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط .

والجار والمجرور في قوله: { بالبينات والزبر } . . . . متعلق بقوله { وما أرسلنا . . } وداخل تحت حكم الاستثناء مع { رجالا } .

والمراد بالبينات: الحجج والمعجزات الدالة على صدق الرسل .

والزبر: جمع زبور بمعنى مزبور أى مكتوب . يقال: زبرت الكتاب . . من باب نصر وضرب - أى: كتبته كتابة عظيمة .

أى: وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - إلا رجال مؤيدين بالمعجزات الواضحات ، وبالكتب العظيمة المشتملة على التشريعات الحكيمة والآداب الحميدة ، والعقائد السليمة ، التى تسعد الناس في دينهم وفى دنياهم .

وقوله - سبحانه -: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } . بيان للحكم التى من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم .

أى: وأنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - القرآن ، لتعرف الناس بحقائق وأسرار ما أنزل لهدايتهم في هذا القرآن من تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدتهم إليه ، ويعملون بهديك ويقتدون بك في أقوالك وأفعالك ، وبذلك يفوزون ويسعدون .

فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على حكمتين من الحكم التى أنزل الله - تعالى - من أجلها القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم .

أما الحكمة الأولى: فهى تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى معناها على أتباعه ، بأن يوضح لهم صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن الكريم من أحكام أو يؤكد لهم صلى الله عليه وسلم هذه الأحكام .

ففى الحديث الشريف عن المقدام بن معد يكرب ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه . . .".

وأما الحكمة الثانية: فهى التفكر في آيات هذا القرآن ، والاتعاظ بها ، والعمل بمقتضاها . (1)

وجوب تبليغ الدعوة للرجال والنساء

قال تعالى: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) ( الأحزاب) }

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2525)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت