الصفحة 84 من 3812

والمراد بآيات اللّه، القرآن. والحكمة، أسراره. وسنة رسوله. وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به وتأويله. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } يدرك أسرار (5) الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر.

فلطفه وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة اللّه على تلك الأعمال. (1)

ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله - عز وجل -: { واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة . . } .

أى: واذكرن في أنفسكن ذكرا متصلا ، وذَكِّرْن غيركن على سبيل الإِرشاد ، بما يتلى في بيوتكن من آيات الله البينات الجامعة بين كونها معجزات دالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم ، وبين كونها مشتملة على فنون الحكم والآداب والمواعظ . .

ويصح أن يكون المراد بالآيات: القرآن الكريم ، وبالحكمة: أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته . .

وفى الآية الكريمة إشارة إلى أنهن - وقد خصهن الله - تعالى - بجعل بيوتهن موطنا لنزول القرآن ، ولنزول الحكمة - أحق بهذا التذكير ، وبالعمل الصالح من غيرهن .

{ إِنَّ الله كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } أى: خلا يخفى عليه شئ من أحوالكم ، وقد أنزل عليكم ما فيه صلاح أموركم في الدنيا والآخرة . (2)

لقد جاء الإسلام فوجد المجتمع العربي كغيره من المجتمعات في ذلك الحين ينظر إلى المرأة على أنها أداة للمتاع ، وإشباع الغريزة . ومن ثم ينظر إليها من الناحية الإنسانية نظرة هابطة .

كذلك وجد في المجتمع نوعًا من الفوضى في العلاقات الجنسية . ووجد نظام الأسرة مخلخلًا على نحو ما سبق بيانه في السورة .

هذا وذلك إلى هبوط النظرة إلى الجنس؛ وانحطاط الذوق الجمالي؛ والاحتفال بالجسديات العارمة ، وعدم الالتفات إلى الجمال الرفيع الهادئ النظيف . . يبدو هذا في أشعار الجاهليين حول جسد المرأة ، والتفاتاتهم إلى أغلظ المواضع فيه ، وإلى أغلظ معانيه!

فلما أن جاء الإسلام أخذ يرفع من نظرة المجتمع إلى المرأة؛ ويؤكد الجانب الإنساني في علاقات الجنسين؛ فليست هي مجرد إشباع لجوعة الجسد ، وإطفاء لفورة اللحم والدم ، إنما هي اتصال بين كائنين إنسانيين من نفس واحدة ، بينهما مودة ورحمة ، وفي اتصالهما سكن وراحة؛ ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة الله في خلق الإنسان ، وعمارة الأرض ، وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة الله .

كذلك أخذ يعنى بروابط الأسرة؛ ويتخذ منها قاعدة للتنظيم الاجتماعي؛ ويعدها المحضن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج؛ ويوفر الضمانات لحماية هذا المحضن وصيانته ، ولتطهيره كذلك من كل ما يلوث جوه من المشاعر والتصورات .

والتشريع للأسرة يشغل جانبًا كبيرًا من تشريعات الإسلام ، وحيزًا ملحوظًا من آيات القرآن . وإلى جوار التشريع كان التوجيه المستمر إلى تقوية هذه القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتطهر الروحي ، وبالنظافة في علاقات الجنسين ، وصيانتها من كل تبذل ، وتصفيتها من عرامة الشهوة ، حتى في العلاقات الجسدية المحضة .ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما بدأها به . . بتذكيرهن بعلو مكانتهن ، وامتيازهن على النساء ، بمكانهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنعم الله عليهن فجعل بيوتهن مهبط القرآن ومنزل الحكمة ، ومشرق النور والهدى والإيمان:

{ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة . إن الله كان لطيفًا خبيرًا } . .

وإنه لحظ عظيم يكفي التذكير به ، لتحس النفس جلالة قدره ، ولطيف صنع الله فيه ، وجزالة النعمة التي لا يعدلها نعيم . (3)

رابعا- لا إكراه في الدين

قال تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ( البقرة) }

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 663)

(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3420)

(3) - في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 75)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت