لقد كان اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار ، وأنهم وحدهم الفائزون بمغفرة الله ورضوانه ، وأنهم ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة عند الله نصيب ، كما في قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (35) وقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (36) وقد نقض الله تعالى تلك الدعاوى الباطلة بقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (37) (38) فكانت المباهلة بالموت لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت . (39) فامتنعت اليهود من إجابة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها. (40)
ب: مباهلة النصارى:
وقد جاءت دعوة النصارى إلى المباهلة عندما قدم وفد من نجران فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (41)
في صحيح مسلم ، َلَمَّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ. دَعَا رَسُولُ اللّهِ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هؤلاء أَهْلِي» . (42)
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا قَالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا فَقَالَ: لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. (43)
(1) لسان العرب ، باب: الراء ، مادة رتب . مكتبة الحديث الشريف ، شركة العريس الإصدار الثامن .
(2) فيض القدير ، 1 / 105 .
(3) انظر مفتاح دار السعادة ، ابن القيم ، ، 1 / 474. انظر المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، 2/ 1050، حرف الواو ، مادة وضع . موسوعة أخلاق القرآن ، مرجع سابق ، 1 / 68.
(4) انظر زاد المعاد ، ابن القيم ، 1 / 86 .
(5) سورة النحل ، آية رقم: 125.
(6) فيض القدير ، 1 / 105 .
(7) سورة طه ، آية رقم: 43، 44.
(8) سورة النازعات ، آية رقم: 18ـ 19
(9) سورة طه ، آية رقم: 47.
(10) سورة مريم ، آية رقم: 41 ـ 45 .
(11) التفسير الكبير ، الإمام فخر الدين الرازي ، ت 606، ط بدون رقم [ بيروت ، دار إحياء التراث ، 1415هـ/ 1995م] ، 21/ 545.
(12) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي [ بيروت مؤسسة الرسالة ، الطبعة السادسة ، 1417هـ / 1997م ] ، ص 444.
(13) التحرير والتنوير ، ابن عاشور ، 5 / 108.
(14) تعريفات سيد شريف ط بدون رقم [ استنابول ، مطبعة أحمد كامل ، 1327هـ] ، ص: 16 ، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، قام باخراج هذه الطبعة ابراهيم انيس وآخرون ، ط بدون رقم و تاريخ [ استانبول ، المكتبة الاسلامية] ، 2 / 925 .
(15) انظر الاحتساب باللسان ، فاطمة بنت صالح الجارد ، رسالة ماجستير مطبوعة تحت النشر ، [ ط 1 ، 1426هـ / 2005 م ، الرياض ، دار المؤيد ، ] ص: 138 .
(16) إحياء علوم الدين ، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ، ط [ بيروت ، المكتبة العصرية للطباعة والنشر ، الطبعة الثانية ، 1417هـ /1996م ] ، 2 / 444.
(17) سورة هود ، آية رقم: 57.
(18) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، للإمام محمود بن عمر الزمخشري، ت 528هـ ، رتبه وضبطه وصححه مصطفى حسين أحمد ، د . ط ، د . ت ، د . م [دار الكتاب العربي] ، 2 / 241.
(19) سورة هود ، آية رقم: 120.
(20) جامع البيان في تأويل القرآن ، الطبري ، 12/ 87.
(21) الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي ، 9/ 116.
(22) سورة سبأ ، آية رقم: 46.
(23) سورة النحل ، آية رقم: 90.
(24) سورة النحل ، آية رقم: 90.
(25) أخرجه أحمد ، وصححه المحقق أحمد شاكر ، حاشية المسند ، 3 / 285 ، ح: 2922وقال: ابن كثير: إسناد جيد متصل حسن .
(26) انظر الاحتساب باللسان ، المرجع السابق ، ص: 191 ـ 194 .