الصفحة 847 من 3812

وجميع أصول الدعوة (موضوعها وطرق تبليغها ومبلغها) من جملة ما ورد في الكتاب والسنة ، فمن اتبعها كان مهتديًا في طريقه ناجحًا في دعوته ، ومن أعرض عن هذا المنهاج كان إعراضه سببًا في ضلاله، ومن الضلال تفرق الجهود ، وضياع الأوقات ، بل ربما رُد العمل على صاحبه كما في صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها-: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (2) .

وهكذا منهج صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن سار على هديهم قال صلى الله عليه وسلم: ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ) (3) ، وقال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه-: (من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا ، وأعمقها علمًا ، وأقلها تكلفًا ، وأقومها هديًا وأحسنها حالًا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) (4) .

* البدء ببيان مبادئ الإسلام الكبرى ومحاسنه:

على الداعي أن يبدأ ببيان مبادئ الإسلام الكبرى ومحاسنه , وأنه قائم على التوحيد والعدل (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (5) ، والسماحة في الأحكام (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) (6) ، وبيان مدى مرونة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان ، ووضوحه لا تعقيد في أصوله فهو خالي من تعقيد التثليث وشبة الثنوية وشطحات الفلاسفة قال الله تعالى: ( أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) (7) وهو الدين الذي يعترف ويقر بجميع النبوات بما فيهم عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ) (8) وهو دين قائم على تكريم الإنسان واحترامه قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) (9) والمساواة بين الأمم والشعوب وإعلان ميثاق حقوق الإنسان: (إن دمائكم وأموالكم ، وأعراضكم عليكم حرام ) (10) وغير ذلك من محاسن الإسلام في أصول العقيدة ، ونظام الاجتماع والسياسة ، والاقتصاد، وأصول التعامل، فإن عَرضْ مبادئ الإسلام ومحاسنه على النصارى العرب وغيرهم سيكون لذلك أثرًا - بإذن الله - عظيمًا في قبول هذا الدين العظيم (11) .

وهكذا كان نهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته - رضي الله عنهم- في عرض الإسلام على غير المسلمين، كما فعل ذلك جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه- حينما عرض مبادئ الإسلام ومحاسنه من نبذ الأوثان وعبادة الله وصدق الحديث والأمانة وصلة الرحم على النجاشي وأوضح أن الإسلام يؤمن ويقر بجميع الأنبياء ومنهم عيسى عليه السلام وتلا عليه القرآن فبكى النجاشي حتى أخضلت لحيته وبكى أساقفته ثم قال هذا والذي جاء به عيسى عليه السلام ليخرج من مشكاة واحدة فقبل الدين وأسلم (12) .

* الشمول:

إن المنهج الإسلامي منهج شامل كامل لجميع مجالات العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والعلاقات، سواءً كانت علاقة الإنسان بربه، أو علاقته بنفسه، أو علاقته بغيره ( في داخل الأسرة أو داخل المجتمع أو فيما بين المسلمين وغيرهم) (13) .

فيكون شاملًا كاملًا لمراحل العمر ونواحي الحياة قادرًا على استيعاب شؤون الحياة ومشكلاتها المتجددة في كل زمان ومكان .

فلابد للداعي أن يراعي هذا الشمول في دعوته (14) للنصارى العرب وغيرهم ، فلا يدعوهم فقط إلى مسائل الاعتقاد ، أو يقتصر على مجال العبادات، أو يغفل عن مجال المعاملات ، بل لابد أن يعلم هؤلاء النصارى أن الإسلام دين شامل كامل لجميع نواحي الدين والدنيا، وأنه قادر على أن يلبي جميع احتياجاتهم ومتطلباتهم الدينية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ليكون ذلك أدنى لقبولهم واستجابتهم لهذا الدين العظيم .

* التدرج في الدعوة إلى الله:

إن شمول هذا الدين بعقائده وشرائعه ومعاملاته لابد أن يقدّم للمدعو تدريجًا ليسهل تقبله وتطبيقه.

إن المتأمل في رسالة الإسلام من بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يتضح له أن التدرج كان السمة البارزة في منهج الدعوة إلى الله .

ونقصد بالتدرج في الدعوة ،تدرجه عليه السلام في تبليغ الإسلام والدعوة إليه، مبتدئًا بالأهم فالمهم ، فنبدأ بالتوحيد التي هي غاية بعثة الرسل عليهم السلام جميعًا، فكل واحد منهم كان يستفتح دعوته إليهم بقوله: ( اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (15) وبقى صلى الله عليه وسلم على ذلك ما يقارب نصف عمره بعد الرسالة يدعو للتوحيد.

وبعد أن رسّخ جوانب التوحيد بدأ بتشريع الأحكام والدعوة إليها متدرجًا معهم على وجه لا يشق عليهم، مراعيًا البدء بالأهم فالمهم كالصلاة ثم الزكاة وهكذا بقية أركان الإسلام، ومما يدل على هذا حديث ابن عباس - رضي الله عنه - حيث يقول: لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه- إلى أهل اليمن ، قال له: ( إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله تعالى ، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا صلوا ، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم(16) الحديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت