ومما يدل على تدرجه صلى الله عليه وسلم مع المدعوين ومراعاة أحوالهم موافقته على شرط الداخل في الإسلام على أن لا يصلي إلا صلاتين (17) كما روى الإمام أحمد عن نصير بن عاصم رضي الله عنه عن رجل منهم أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه ذلك (18) .
وقد اشترطت ثقيف لدخولهم الإسلام أن لا صدقة ولا جهاد فقبل منهم وقال: (سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ) (19) .
كذلك تدرج عليه السلام في دعوته إلى أخلاق الإسلام حيث ابتدأ بالدعوة إلى أصول الأخلاق من الصدق والعدل وأداء الأمانة والعفة .
وهكذا في استخدامه صلى الله عليه وسلم للوسائل والأساليب لتبليغ دعوة الإسلام كان متدرجًا في ذلك ، فبدأ بوسيلة القول في العهد المكي وبعد الهجرة إلى المدينة اتخذ وسيلة الحماية لجماعة المسلمين بالسرايا والغزوات ثم بعد أن هادن العدو في الحديبية أتخذ وسيلة بلاغية وهي الكتب والرسائل ثم البعوث لتبليغ الدعوة إلى العالم الخارجي .
والحكمة من هذا التدرج تهيئة النفوس للسماع ومن ثم قبولها للحق ليسهل الدخول في دين الله .
ولقد كان لتدرجه صلى الله عليه وسلم في الدعوة هذا الأثر العظيم الذي ظهر واضحًا في نفوس كثير من المدعوين بقبولهم الحق، وسرعة استجابتهم له .
وهذا التدرج في الدعوة لا يخص فقط عصر النبي صلى الله عليه وسلم بل إن هذا المنهج للدعاة جميعًا
يقول الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -: ( إذا كنا نريد أن ندعو كفارًا فلابد أن ندعوهم كما أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم- في حديث معاذ - رضي الله عنه- . فندعوهم إلى أصل الإسلام ، ثم بعد ذلك نأمرهم بالصلاة ثم بالزكاة ثم بالصوم ثم بالحج ....) .
ولوا اشترط هذا الصنف من المدعوين، ارتكاب بعض المخالفات الشرعية مقابل إسلامه ، مثل شرب الخمر مثلًا، فإنه يتعامل معه وفق القاعدة ( إذا تزاحمت المفاسد واضطر إلى واحدة منها، قُدم الأخف منها ) فيُقبل إسلامه ويقبل شرطه .
ويقول سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز- رحمه الله-: ( لا أعلم مانعًا لأن شرب الخمر أسهل من بقائه على الكفر) .
وعلى هذا لابد أن يسير الداعي على هذا المنهج بأن يبدأ بدعوة النصارى العرب وغيرهم بأصول الدين قبل فروعه ، فإن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد (20) .
* الوسطية والتوازن:
الوسطية من مبادئ الدين الحنيف ومن أبرز خصائص الإسلام ومن مميزات أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- ، وبها استحقت أن تكون شاهدة على الناس يوم القيامة قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (21) والوسط العدل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن أبرز مظاهر هذا المنهج الاعتدال و التوازن بين الجانب الروحي والجانب المادي ، فالنفس مجبولة على الاعتدال والتوازن بين حقوق الجسد ومتطلبات الروح .
فإن نفور النصارى من الكنيسة وجفائها كان لعدم توازنها بين حقوق الجسد ومتطلبات الروح.
فاتباع الداعي للمنهج الوسط والتوازن في دعوته للنصارى العرب وغيرهم من الأمور المهمة للإقبال على هذا الدين وتطبيقه لان النفس مجبولة على الاعتدال والتوازن فعلى الداعي أن يراعي هذا المنهج في دعوته . مثلًا عليه أن يوازن بين الدعوة إلى الإيمان بالقدر والتوكل على الله والأخذ بالأسباب (22) وأن يوازن عند عرض دعوته بين الخوف والرجاء، وهكذا في أمور العبادات وإلقاء المواعظ فلا يطغي جانب على أخر، فبعض الدعاة قد يأخذه الحماس والرغبة في الدعوة فيكثر على المدعوين بالموعظة فيملوا، أو يطيل عليهم في الدروس فينفروا، ويلح عليهم بالاجتهاد وتكثيف العبادات فينقطعوا ثم يرمى هذا الدين بالتشدد والتزمت والمشقة . والحق أن ابرز ملامح الوسطية هو اليسر ورفع الحرج عن الناس .
كما أن التقصير أيضًا والتفريط والتساهل نوع من أنواع البعد عن الوسطية والتوازن ومدعاة بأن ينشأ المدعوين على ذلك ، فعلى الداعي أن لا يتهاون في شيء من أمور العقائد والأحكام فيمّيع كثيرًا من مبادئه بحجة تقريبه للمدعوين .بل إن عظمة الإسلام وكماله بأن يقدم للمدعوين كما هو، وهذا كفيل بأن يقبل عليه غير المسلمين من النصارى العرب وغيرهم .
(1) المستدرك على الصحيحين ,كتاب العلم، رقم 318 (1171) . انظر:المستدرك على الصحيحين ، محمد الحاكم ، تحقيق: مصطفى عطا، ط1 (دار الكتب العلمية: بيروت ،1411هـ) .
(2) البخاري ، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ ، رقم 6918 (62675) .
(3) المستدرك على الصحيحين , كتاب العلم ، رقم 392 (1174) .
(4) تهذيب جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تهذيب: ابو عماد السخاوي ، ط1 (دار الفتح: الشارقة ، 1418هـ) ص (226) .
(5) (90) سورة النحل .
( 6) (286) سورة البقرة .
(7) (36) سورة النحل .
(8) (285) سورة البقرة
(9) (70) سورة الإسراء
(10) البخاري ، باب رب مبلغ أوعى من سامع ، رقم 67 ( 1 27) .
(11) انظر: الموجز في معاملة غير المسلمين في الإسلام، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ، (مؤسسة آل البيت: عمان، 1994م ) ص (19) .
(12) كيف تدعوا نصرانيًا ، ص (96) .
(13) انظر: ركائز الإيمان ، محمد قطب ، طا (دار أشبيليا: الرياض 1417ه) ص (436) .
(14) الدعوة إلى الله في السجون ، (279-280) .
(15) (59) سورة الأعراف.
(16) صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب ماجاء في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم- أمته إلا توحيد الله ، رقم 6937 (62685) .
(17) انظر مراعاة أحوال المخاطبين ، د.فضل إلهي ، ط1 (الفرقان: الرياض ، 1417هـ)