ج - الجمع بين: (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) مشعر بتلازمهما، وقد يُدعى بأن أحدهما أعم من الآخر، وأعتقد أن الدعوة إلى الخير أعم؛ لأن الخير أفعل تفضيل حذفت منه الهمزة تخفيفًا، كما قيل: خير وشر، والخير عام، كما قال - سبحانه وتعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} الزلزلة: 7، وقد اعتمدت ذلك في هذا المبحث من أن كل أمر بمعروف ونهي عن منكر من منهج الدعوة إلى الله؛ لأن مؤداها الإرشاد إلى الصراط المستقيم.
د - وهناك جهة قلَّما يراعيها الكثيرون من الكُتاب والدارسين في تسلسل الآيات الكريمات في المصحف الشريف، مع شدة أهميتها، وهي ربط النص بما قبله وبعده؛ لأنه هنا يشعر بأثر الدعوة؛ فقبله قوله - تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} آل عمران: 103، وبعده قوله - تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} آل عمران: 105.
وهكذا السياق: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) ثم (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ) ثم (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) .
ونأخذ من هذا النسق: أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبقي على عصمة الله للأمة بكتاب الله ووحدة كلمتها وتوحيد صفها، وأن تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى تفرقة الأمة واختلافها.
كاتب المقال: الشيخ عطية محمد سالم.
المصدر: مفكرة الدعاة .
أهمية الاحتساب باللسان
أ. فاطمة بنت صالح الجارد.
أهمية الاحتساب باللسان
للاحتساب باللسان أهمية عظيمة من جملة أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تحدث عنه كثير من العلماء المتقدمين والمعاصرين، ومن خلال استقراء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبين أهمية هذه الشعيرة العظيمة وما قال العلماء فيها نجد أن أهميته تنحصر فيما يلي:
1ـ أن الاحتساب باللسان أحسن القول:
قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) سورة فصلت آية: 33
يقول الشيخ القاسمي ـ رحمه الله ـ: أي لا أحد أحسن مقالًا ممن دعا الناس إلى عبادته تعالى. (1)
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ: فكل من دعا الناس إلى الخير على وجه العموم، أو على وجه الخصوص، أو قام بنصيحة عامة أو خاصة، فإنه داخل في هذه الآية الكريمة. (2)
2ـ أن الاحتساب باللسان أحد الأعمال الثلاثة التي استثناها الله ـ سبحانه وتعالى ـ عندما نفى الخير عن كثير من النجوى التي يتناجى الناس ويتخاطبون بها قال تعالى: ( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) سورة النساء آية: 114.
يقول الشيخ القاسمي ـ رحمه الله ـ: نجواهم أي مساررتهم. ثم يقول: والمراد لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث. (3)
والاحتساب باللسان هو الأمر بالمعروف المقصود في قوله تعالى: (مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ) في الآية السابقة، ولا يقتصرعلى الأمر بالمعروف فقط بل يدخل فيه النهي عن المنكر.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ: وإذا أطلق الأمر بالمعروف، من غير أن يقرن بالنهي، دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف. وأيضا لا يتم فعل الخير، إلا بترك الشر، وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المعروف، والمنكر بترك المنهي. (4)
وهذه الآية تؤيد الحديث الذي روته أم حبيبة ـ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ ) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم.
3ـ أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ وعد المحتسب بلسانه بالأجر العظيم الذي لا حد له إذا ابتغى بذلك وجه الله:
قال تعالى: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) سورة النساء آية: 114
يقول الخازن ـ رحمه الله ـ: في تفسير قوله تعالى: (أَجْرًا عَظِيمًا) لا حد له لأن الله سماه عظيما، وإذا كان كذلك فلا يعلم قدره إلا الله. (5)
ويقول الشيخ محمد جمال الدين القاسمي ـ رحمه الله ـ: وقد دلت الآية على الترغيب في الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، وقد أكد تعالى الترغيب بقوله: (عَظِيمًا) وأن النية فيها شرط لنيل الثواب. (6)
وهذا وعد من الله فهو متحقق الوقوع بإذنه سبحانه قال تعالى: ( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ) سورة التوبة ، آية رقم:111
4ـ أن المحتسب بلسانه من الذين يؤذن لهم يوم القيامة بالكلام حينما يمنع الناس من الكلام: