ففي الحديث الذي رواه ابن مردويه، بسنده إلى محمد بن يزيد خنيس قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل علينا سعيد بن حسان فقال له الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده عليّ فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْه، لَا لَه،ُ إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ عز وجل، أو أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَر ) ، فقال سفيان: أو ما سمعت الله في كتابه يقول: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) سورة النساء آية: 114 فهو هذا بعينه الحديث. (7)
فالقول الصواب المقصود في هذه الآية على ما قاله الثوري هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله.
قال الضحاك و مجاهد ـ رحمهما الله ـ: صوابا يعني حقا، وأصل الصواب السداد من القول والفعل. (8)
5ـ إن المحتسب باللسان من الذين استثناهم الله ـ سبحانه وتعالى ـ من دائرة الخسران عندما حكم على البشرية جميعا بالخسران، ومما يدل على ذلك تتمة الحديث السابق.
أما سمعت الله يقول: ( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) سورة العصر 1-3، فهو هذا بعينه.
فمقصود سفيان الثوري أن المتواصين بالحق ممن يكون كلامهم لهم لا عليهم، والتواصي بالحق"وهو أداء الطاعات وترك المحرمات". (9)
وقد أشار العلماء إلى أهمية التواصي عند تفسيرهم لسورة العصر، قال الشيخ الفخر الرازي ـ رحمه الله ـ: هذه الآية فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ثم كرر التواصي ليضمن الأول الدعاء إلى الله، والثاني الثبات عليه. (10)
6ـ الاحتساب باللسان من دلائل الإيمان:
أ ـ أنه من قول الخير الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه شرط على دلالة الإيمان: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ… ) الحديث أخرجه البخاري.
والاحتساب باللسان من الأقوال التي قد تكون فرضًا وقد تكون ندبًا حسب أحوال المحتسب والمحتسب عليه والمحتسب فيه.
قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: وهذا من جوامع الكلم، لأن القول كله إما خير وإما شر، وإما آيل إلى أحدهما فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها فأذن فيه على اختلاف أنواعه ودخل فيه ما يؤول إليه وما عدا ذلك مما هو شر أو يؤول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت، ثم قال: واشتمل هذا الحديث على أمور ثلاثة تجمع مكارم الأخلاق الفعلية و القولية حاصلة من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله قولا بالخير وسكوتا عن الشر وفعلًا لما ينفع أو تركًا لما يضر. (11)
ب ـ قيام اللسان بأركان الإيمان عند قيامه بالاحتساب لأن الإيمان"قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح". (12)
فاللسان جارحة الكلام وقيامه بالاحتساب عمل وقول ولا يقوم بهذا إلا مؤمن كما جاء في الحديث السابق، وقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) سورة التوبة ، آية رقم:70، وبهذا تكتمل قيام هذه الجارحة بهذه الأركان.
7ـ الاحتساب باللسان يحمي المسلم من آفات وشرور اللسان لأن اشتغاله بالطاعة يحميه من اشتغاله بالمعصية:
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: إن اللسان لا يسكت البتة، فإما لسان ذاكر، وإما لسان لاغ، ولابد من أحدهما، فهي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وهو القلب إن لم تسكنه محبة الله عز وجل، سكنه محبة المخلوقين، فلا بد وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولا بد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها في إحدى المنزلتين. (13)
8ـ المحتسب بلسانه من الذين يوفقهم الله إلى الطاعات وفعل الخيرات فينال سعادة الدنيا والآخرة:
عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ …. ) الحديث. أخرجه الترمذي.
قال الطيبي ـ رحمه الله ـ: ومعنى كَتْبِه رضوانه توفيقه لما يرضى الله من الطاعات والمسارعات إلى الخير فيعيش في الدنيا حميدًا وفي البرزخ يصان من عذاب القبر، و يفسح له قبره ويحشر يوم القيامة سعيدًا، ويظله الله تعالى في ظله، ثم يلقى بعد ذلك من الكرامة والنعيم المقيم في الجنة. (14)
9ـ المحتسب بلسانه من الذين يرفعهم الله أعلى الدرجات: