الصفحة 866 من 3812

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ) أخرجه البخاري.

قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: والكلمة التي ترفع بها الدرجات ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة أو يفرج بها عنه كربة أو ينصر بها مظلوما. (15)

وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية الكلمة الطيبة وشبهها بالشجرة الطيبة قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) ، سورة إبراهيم ، آية 24ـ 25.

وفسر العلماء الكلمة الطيبة بعدة معان منها الدعوة إلى الله. (16)

وقال مجاهد و ابن جريج ـ رحمهما الله ـ: الكلمة الطيبة الإيمان. (17)

وأما تشبيه الإيمان بالشجرة الطيبة"لأن الشجرة لاتستحق أن تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ وأصل قائم وأغصان عالية، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء، معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأبدان". (18) ؛ فالمحتسب بلسانه عمله قول فهو مؤمن لا يقول إلا كلاما طيبا لأنه كلام حق ثابت لا يتزعزع، وله أثار حميدة على نفسه وعلى المحتسب عليهم وهذه الآثار لا ترتبط في وقت محدد بل في كل وقت: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) أي ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلًا أو نهارًا أو شتاء أوصيفاُ. (19)

10ـ الاحتساب باللسان من أسباب استقامة أعضاء الجسم كلها:

لأن الاحتساب باللسان من أعمال النطق التعبدية فإذا استقام اللسان استقامت الأعضاء كلها.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَفَعَهُ قال صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَان َفَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا ) أخرجه الترمذي، ومعنى تكفر تذل وتخضع له. (20)

والتوفيق بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) أخرجه البخاري ومسلم، لأن اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن. (21)

11ـ الاحتساب باللسان أحد مراتب الجهاد في سبيل الله:

فإما أن يجاهد الكفار والمشركين والمنافقين، وإما أن يجاهد أهل المنكرات والبدع من المسلمين، وإما أن يجاهد أهل السلطان الجائرين.

فأما جهاد الكفار والمشركين فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) سورة الفرقان ، آية رقم: 52، أي بالقرآن .

يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ تعليقا على هذه الآية: فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا؛ فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) سورة التوبة ، آية رقم: 73 ، ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن. (22)

ومن السنة عَنْ أَنَس ـ رضي الله عنه ـ ٍعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: )جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ) أخرجه النسائي، وأحمد وصححه الألباني.

وأما جهاد أهل المنكرات من المسلمين فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) أخرجه مسلم.

وأما جهاد أهل الجور من السلاطين فلم يكن جهادًا فقط بل وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أفضل الجهاد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ) أخرجه الترمذي.

يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: الجهاد أربع مراتب: جهاد النفس وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان وأما جهاد أرباب الظلم، والبدع، والمنكرات. (23)

12ـ القيام بالاحتساب باللسان فيه تأديته لحق الولاية والأخوة على اللسان بالنطق فإن المؤمن ولي المؤمن قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) سورة التوبة، آية رقم: 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت