وجعل المؤمن ولي المؤمن"للإيذان بأن نسبة هؤلاء بطريق القرابة المبنية على المعاقدة المستتبعة للآثار من المعونة والنصرة وغير ذلك" (24)
ونصرة المؤمن لأخيه المؤمن تكون بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر،"والموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية". (25)
فعند قيامه بالاحتساب باللسان فإنه يقوم بحق الولاية التي على اللسان بالنطق، ويقوم بحق الأخوة قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) سورة الحجرات ، آية:10
وقد بين الشيخ أبو حامد الغزالي - رحمه الله - هذه الحقوق وذكر أن حقوق الأخوة ثمانية حقوق منها حق على اللسان بالنطق حيث يقول ـ رحمه الله ـ: فإن الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضا النطق بالمحاب، بل هو أخص بالأخوة لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور. وبعد أن ذكر ما يجب أن ينطق به قال: …وكذا جملة أحواله التي يكرهها ينبغي أن يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها. (26)
13ـ الاحتساب باللسان غنيمة يغتنمها الإنسان في حياته لأنه من قول الخير:
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قُولوا خَيْرًا تَغْنَموا وَاسْكُتوا عَنْ شَرّ تَسْلَموا ) . ( (27
14ـ الاحتساب باللسان من أسباب نزول الرحمة على العبد لقوله صلى الله عليه وسلم: ( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قال خَيْرًَا فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ سُوءٍ فَسَلِمَ ) ذكره الألباني في صحيح الجامع؛ فالاحتساب باللسان كما أسلفنا من قول الخير"وقول الخير خير من السكوت لأن قول الخير غنيمة ينتفع به من يسمعه والصمت لايتعدى صاحبه" (28)
فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم غنيمة لما فيه من الأجر والثواب كما سمى الصوم في الشتاء فقال: (الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ (أخرجه الترمذي، وأحمد.
قال ابن الأثير ـ رحمه الله ـ: إنما سماه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب. (29)
15ـ الاحتساب باللسان من أعمال اللسان التي يتعدى نفعها فيتضاعف الأجر:
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم مضاعفة الأجر لمن كان سببًا في هداية الناس: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذالِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) صحيح مسلم.
قال الشيخ أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ: فإذا كان المعتكف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في مثل ذلك ـ يقصد الإنكار على مسيء الصلاة ، أو انحراف عن القبلة، وكل ما يقدح في الصلاة ـ ويشتغل به عن التطوع والذكر فليشتغل به، فإن هذا أفضل له من تطوعه، لأن هذا فرض تتعدى فائدته، فهو أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها. (30)
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ تعليقًا على الحديث: أخبر صلى الله عليه وسلم أن المتسبب إلى الهدى بدعوته له مثل أجر من اهتدى به، والمتسبب إلى الضلالة بدعوته عليه مثل إثم من ضل به، لأن هذا بذل قدرته في هداية الناس، وهذا بذل قدرته في ضلالتهم، فنزل كل واحد منهما بمنزلة الفاعل التام، هذه قاعدة الشريعة كما هو مذكور في غير الموضع. (31)
16ـ القيام بالاحتساب شكر لله على نعمة البيان واللسان اللتين أنعمهما الله ـ سبحانه وتعالى ـ على عبده:
فأنعم الله عليه بنعمة البيان قال تعالى: ( الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) سورة الرحمن، الآيات رقم 1ـ 4 .
والبيان هو ( إيراد المعنى الواحد بأساليب متفاوتة في القوة والوضوح ) أخرجه ابن ماجة واللفظ له، والبيهقي.
فبالبيان يستطيع أن يعبر الإنسان عما يجول في نفسه، والدعوة إلى الله من أفضل ما يقوم به الإنسان وما يعبر به، وقيامه بهذه المهمة شكر لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة.
17ـ القيام بالاحتساب باللسان إعذار إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ:
وسبب يفعله المحتسب لتوبة المحتسب عليهم وتقواهم والانتفاع بما يقال لهم قال تعالى: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) سورة الأعراف ،آية: 164، فهؤلاء أمة من قوم موسى وعظوا أمة منهم والموعظة لا تكون إلا باللسان.
قال الشيخ الفخر الرازي ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى: (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) : ( أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر، قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين، وقوله:(وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب ) (32) .
18ـ المحتسبون بألسنتهم بنهي الناس عن السوء من الذين ينجيهم الله مع من استجابوا لهم عندما يرسل العذاب على العاصين:
فأما نجاة الناهين عن السوء ففي قوله تعالى بتكملة الآيات السابقات قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) سورة الأعراف ، آية: 165 .
وأما نجاة الناهين والمؤمنين بهم والمستجيبين فقد نجى الله هودًا ـ عليه السلام ـ مع من آمن به ففي قوله تعالى ( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) سورة هود ، آية: 58