فهرس الكتاب
8-الأمل بالنجاح والرجاء بالفلاح، مهما عظمت المصاعب وانتابت النوائب فان اليأس أدوأ الأدواء، الذي لا ينجع مع وجوده دواء، وناهيك أن القرآن جمعه مع الكفر في قرن، وجعله مع الضلال كفن، والآيات في هذا طوافة في الأذهان فائضة على كل لسان، واذكر من تلبس دعاة النصرانية بهذا الشرط ما كنت قرأته في جريدة لهم قالت ما مثاله: أن أول بعثة أرسلت إلى الصين بعد الاستعداد بتعلم اللغة الصينية وطبع الكتاب المقدس بها مكثت بضع سنين (وأظنها حددتها بثمان) لم يجب دعوتها أحد فاستأذنت من الجمعية الكبرى بمغادرة الصين لليأس من تنصر أحد من أهله، فأجابتهم الجمعية بأنكم لم ترسلوا لتنصير الناس أو إلزامهم بالنصرانية فترجعوا لعدم حصول المقصود، وإنما وظيفتكم الدعوة إلى آخر الحياة سواء أجابكم الناس أم لم يجيبوكم فثبتوا حتى صار الناس يدخلون في دينهم بالتدريج، وإنما هدى هؤلاء للقيام بهذا الشرط كغيره الصدق في خدمة دينهم والحرص على نشره، وقد فقدنا نحن هذا من عهد بعيد فصرنا نقرأ القرآن ( الذي لم يغادر شرطًا من شروط الدعوة إلا بينه) للتبرك وشفاء الأمراض الجسدية، وهم الذين قاموا بالعمل به، هل تفكرت يا أخي المسلم بقوله تعالى: ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) ، وقوله: ( وما أنت عليهم بوكيل، وقوله:( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ، وهل أطلت الفكرة يا أخي فيمن قام بحقوق هذه الآيات وأمثالها ولم تكتف عند قراءتها وسماعها بقول (الله الله) سبحان من هذا كلامه كما تلقيت عن عامة الناس؟؟؟.
هذا ما تيسر إيراده من آداب وطرق الدعوة إلى الله نسأل الله جل وعلا أن ينفع بها.
كاتب المقال: الشيخ العلامة محمد رشيد رضا (رحمه الله)
المساواة بين المرأة والرجل في أصل التكليف
إن الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته من غير حاجة إليهم في رزق ولا طعام فقال سبحانه: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58 ) ) سورة الذاريات.
ولما كانت هذه العبادة تحتاج إلى بشر يبلغون عن الله جل وعلا، فقد اصطفى الله جل شأنه عددًا من الرسل، يوحي إليهم بأمر العبادة كي يبلغوا عنه سبحانه أممهم، قال تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين(36) ) سورة النحل.
وكانت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسالات وأعمها للبشرية، قال تعالى: ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما ) (40) سورة الأحزاب.
و لما كان هذا الدين خاتم الأديان فلابد إذا من المتابعة في نشره، والدعوة إليه، تنفيذًا لأمر الله تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) (104) سورة آل عمران.
ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله تعالى أمة الإسلام ويكلفها بأن تعمل على تكوين جماعة منها، تقوم بالدعوة إلى الله سبحانه، دعوة إلى الخير بعامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بخاصة، ومن المعلوم أن كل أمة، تتكون من الرجال والنساء، فالخطاب للجميع.
وهنا يرد سؤال حول الأمر بالدعوة وهو:
هذا الأمر وخطاب التكليف، هل يكفي فيه قيام فئة من الرجال فقط، أم لابد أن تقوم فئة من النساء بالدعوة في محيطها الأسري، وذوي أرحامها، وبنات جنسها؟
والجواب:
أن خطاب التكليف هذا في أصله شامل للرجال والنساء، ومجيئه بضمير المذكر للتغليب، وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية، وفي الاستعمال القرآني والسني.
فكلمة أمة في قوله تعالى: ( ولتكن منكم أمة ) تعني في هذا الخطاب جماعة الرجال والنساء.
كما أنه بالنظر إلى كلمة ( من ) في قول الله تعالى آمرًا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) (108) سورة يوسف.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) صحيح البخاري، الذي لم يعين فيه جنس المخاطب، دل ذلك على وجوب قيام فئة من النساء بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في حدود مسؤوليتها، مثل محيط الأبناء والبنات، وعموم النساء .
والقرآن الكريم بين قدرة النساء إذا كن مؤمنات على الدعوة إلى الإيمان بالله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما في قوله تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) (71) سورة التوبة.
كما أن القرآن بين قدرة النساء إذا كن منافقات على الدعوة إلى الكفر، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، كما قال تعالى: ( المنافقون والمنافقات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ) (67) سورة التوبة.
فالآيتان السابقتان تؤكدان قدرة المرأة على الدعوة سواء للحق أم للباطل.