فهرس الكتاب
ولم يقتصر القرآن الكريم على البيان النظري على قدرة المرأة على الدعوة، بل إنه ضرب مثلًا عمليًا لجهود المرأة الدعوية، سواء كان ذلك في حزب الشيطان أم كان في حزب الرحمن، قال تعالى: ( ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئًا وقيل ادخلا النارمع الداخلين ) (10) سورة التحريم.
إن الخطاب الشرعي جاء بالأمر بالدعوة إلى الله عامًا لجميع الأمة يشمل الجنسين رجالًا ونساءً، لأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابًا للنساء أيضًا، إلا موضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيه ، والقاعدة في واجبات المرأة كالقاعدة في حقوقها، فإن للمرأة حقوق وعليها واجبات مثل الرجل إلا فيما يختلفان فيه من القدرة والكفاية مما هو مناط التكليف، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إنما النساء شقائق الرجال ) ، وعلى ذلك فالدعوة إلى الله واجبة في حق النساء كما هي واجبة في حق الرجال كل حسب قدرته وعلمه .
و من الأدلة التي جاءت آمرة بالدعوة إلى الله قوله تعالى: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) (108) سورة يوسف.
يقول الشوكاني رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: (( ومن اتبعني ) أي: ويدعو إليها من اتبعني واهتدى بهديي، وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله حق عليه أن يقتدي به في الدعاء إلى الله، أي الدعاء إلى الإيمان به وتوحيده، والعمل بما شرعه لعباده).
و غيرها من النصوص التي تدل على وجوب القيام بالدعوة إلى الله، والأمر بذلك عام على جميع المسلمين رجالًا ونساءً، ولكن للدعوة مجالات وميادين مختلفة، منها ما يكون مناسبا للجميع، ومنها ما يكون مناسبًا لفئة دون أخرى.
أما السنة فقد أثبتت أثر المرأة في الدعوة إلى أي عقيدة في أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولود إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه ) صحيح مسلم - كتاب القدر - الجزء الرابع ص 2048
وكما في حديث المسؤولية، في الحديث المروي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) صحيح البخاري كتاب الأحكام .
وإذا ما انتقلنا إلى السنة العملية في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر نجد أن تاريخ الإسلام حافل بجهود المرأة الدعوية، ومشاركتها في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، سواء كان ذلك بين الأبناء والبنات، أو بين النساء الأخريات في المجتمع الإسلامي .
وتاريخ أمهات المؤمنين وعدد كبير من الصحابيات - رضي الله عنهن - خير شاهد على ما قدمته المرأة المسلمة من جهود دعوية، سواء كان ذلك في معارك الجهاد، أو ما روينه من أحاديث المصطفى الكريم عليه الصلاة والسلام، أو الدعوة بالقدوة، والكلمة، والموعظة الحسنة، وبذل النصيحة .
يقول الحافظ بن حجر في فضل خديجة - رضي الله عنها -: ( إنها أول من أجاب الإسلام، ودعا إليه - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام، فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا الله ) فتح الباري، كتاب فضائل الصحابة ج 7 ص 109
وكما ورد عن أنس رضي الله عنه قال: ( لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهن تنقزان القرب، وقال غيره - تنقلان القرب - على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتحملانها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم ) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الجهاد ج 6 ص 78
فلقد ضرب لنا نساء الأمة في جيلهن الأول أروع المواقف الدعوية مع الزوج والأبناء والأهل وفي أوساط النساء، كأمثال أمهات المؤمنين وبنات النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير من نساء الصحابة، كأسماء ذات النطاقين وأم سليم، ونسيبة بنت كعب، وصفية بنت عبد المطلب، وأم شريك وغيرهن رضوان الله عليهن لا يتسع المقام لذكر مواقفهن الجليلة .
على ضوء ما ذكر آنفًا يتبين لنا المساواة في أصل التكليف، وأن من قضايا الإسلام ما لا يقتصر تبليغه على الرجل فحسب، بل إن المرأة المسلمة تتحمل قسطًا كبيرًا من هذا التكليف .
المراجع:
1-كتاب المرأة المسلمة المعاصرة - إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة، للدكتور أحمد بن محمد بن عبدالله أبا بطين.
2-كتاب مسؤولية المرأة في الدعوة إلى الله، أسماء بنت راشد الرويشد.
كاتب المقال: أسماء النجار .
ضيق أفق الداعية
ضيق أفق الداعي هو تضييق للدعوة وسعته سعة لها.