الصفحة 891 من 3812

والمقصود بضيق أفقه أن يقتصر مثلا بالدعوة على المسجد فقط لأنه أطهر بقاع الأرض، أو على الخطب والمواعظ والكلمات لأن الخطباء يفعلونها، أو أن يبدأ دائما الدعوة بالحديث عن الصلاة لأنها عماد الدين، أو أن يستخدم الترهيب أكثر من الترغيب أو التيئيس أكثر من التشجيع أو الشدة أكثر من الشفقة؛ لأنه يرى أن المدعوين لا يستحقون إلا ذلك! أو يتعجل ولا يصبر أكثر مما يتدرج، أو يقاطعهم أكثر مما يخالطهم لأنهم فسقة.. أو لا يتحاور معهم بل يملي عليهم أوامره؛ فهو الأعلى وهم الأدنى.. أو يحتكر الدعوة ويقصرها عليه وعلى العلماء ولا يحمّلهم إياها بما يناسبهم؛ فهم ليسوا أهلا لها.. أو يقتصر على دعوة الرجال دون النساء بضوابطها، أو الشباب دون الشيوخ والأطفال، أو رواد المسجد دون سائر أهل الحي ودون الجيران والأقارب والزملاء والأصحاب.. أو يتصلب ويأخذ برأي واحد وهو الصواب وما دونه من آراء سواء فقهية أو حتى خبرات حياتية صحيحة فهو وضعي من عند البشر خاطئ.. أو يتقوقع وينعزل ويتجنب مَن حوله لأن طعامهم شبهة وأعمالهم بدعة وأزياؤهم تشبُّه بالكفار.. أو يقدّم سنّة على فرض، أو الفرض الذي على التراخي على فرض الوقت، دون مراعاة لترتيب الأولويات، أو يتشنّج ويتوتر ويتجهّم عند التعامل مع الآخرين؛ لأن في تعاملاتهم انزلاقا وتنازلا وتهاونا...

أو ما شابه ذلك من تصرفات بعض الدعاة الصلبة غير المرنة، والتي غالبا ما تنفر أكثر مما تحبب، وتضر أكثر مما تنفع، وتتعس الداعي والمدعوين بإسلامهم أكثر مما تسعدهم به...

إن أهم أسباب هذا الداء ما يلي:

العقل:

فهو يخشى من كل آخر؛ خوفا أن يكون سببا في تفريطه في الدين.

البيت:

فلا رأي فيه إلا للأب أو للأم أو حتى لهما معا، لكن لا رأي للأبناء.. فينشؤون غالبا بل بكل تأكيد لا رأي لهم.

المدرسة:

فلا رأي في الفصل إلا للمدرس إن كان له رأي هو الآخر غير رأي المدير، الذي بدوره يكون رأيه هو رأي الوزارة في الغالب.

الجامعة:

فلا رأي في المدرج إلا للأستاذ إن كان له رأي غير رأي رئيس الجامعة، والذي رأيه كثيرا ما يكون هو رأي الوزير.

العمل:

فلا رأي إلا للمدير.. والمبتكر متهور، والمتسائل غبي، والمفكر عنيد.. فرأي المسؤول إذن هو دائما الصواب.

المجتمع:

غالبه سلبي مستسلم لا رأي له، و المسؤول هو وحده المحرك الذي يعرف الحق وعليه يسير على الدوام، والمتمسك فيه بدينه حتى ولو في نفسه فقط يعدّ غريبا متعصبا.. وإن أراد أن يكون في موقع مسئولية يديرها بقوانين وأخلاق الإسلام التي تربى عليها منذ صغره فهو إرهابي لا بد من محاكمته..

فما ظنك بمجتمع كهذا؟! إنه -ولا بد- سيفرز جيلا غالبه ضيق الأفق.

الدعاة:

فهم يربّون عموم الناس ودعاة المستقبل من بعدهم، وينصحونهم بمثل ما هم فيه وعليه.

فكر واحد، وإلا يكون الانحراف عن الصراط المستقيم.

الخوف:

من الغير أن يفتنوه ويبعدوه عن دينه.. فكلهم أو معظمهم غير آمنين لا ثقة فيهم.

الحرص:

على الإسلام أن يصيبه أي تحريف بسبب أي تجديد في أسلوب عرضه لا فيه.

الراحة:

فالانعزال خاصة عن غير روّاد المساجد أكثر راحة وأمانا في الدعوة.

الخبرة:

فلا احتكاك بآخرين حتي لا يصاب بأمراضهم !.. فالوقاية خير من العلاج كما هو معروف.

العلم:

فعلم الشرع وحده يكفي لإدارة الحياة دون العلوم الدنيوية.

العشوائية:

فالتخطيط معوّق، والبركة ستجبر أي تقصير.

والدواء هو إتيان عكس ما سبق:

الفهم:

فهم أنّ الدعوة ليست في المسجد فقط، وإنما في كل مكان ممكن: في البيت، ومع الأهل والجيران والأقارب والأصحاب وأهل الحي وزملاء العمل على مسار الحياة كلها كما يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس) .

وأنها ليست بالخطب والمواعظ فقط بل بالقدوة والموقف والخدمة والزيارة والمشاركة في الأفراح والأحزان، كما كان يفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام.. وباستخدام الأشرطة والكتيبات والمجلات والمحمول والإنترنت والفضائيات وكل ما يستحدث وينفع..

وأنها ليست حكرا على العلماء وحدهم، وإنما كل فرد بما يستطيعه كما وسعها ربنا في قوله: ( يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله) .

وأنها للجميع رجالهم ونسائهم كما يفهم من قوله:"يا قومنا"بمراعاة الضوابط الشرعية كغض البصر وعدم الخلوة واختيار الكلام المناسب..

وأنها ليست بالضرورة أن تبدأ بالكلام عن الصلاة رغم أهميتها، ولكن كما علمنا أسلوب القرآن بتحليل شخصيات المدعوين، والتعرف عليهم، ومعرفة أهم المداخل للتأثير في قلوبهم، وزرع الحب والثقة بينهم وبين داعيهم، وربطهم بربهم، ومخاطبة ومعاملة كل منهم على حسب أحواله وظروفه وإمكاناته ومفاهيمه وثقافاته وبيئته المحيطة به..

وأنها بالتشجيع أفضل من التيئيس، وبالترغيب أقوى من الترهيب، وبالرفق أعظم من الغلظة، وبالتدرج أنسب من التعجل، وبالحوار ألطف من الأوامر، وبالصبر أجمل من الانفعال، وبالمخالطة المنضبطة أشد من المقاطعة السلبية، وبالأمل والتفاؤل أنفع من التشاؤم..

وأنّ الإسلام كله يحتمل أكثر من رأي -إلا الحرام فليس فيه إلا رأي واحد- كما يقول تعالى مثلا سامحا بالحجاب أو النقاب: ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) حتى يأخذ كل فرد بما يناسبه، ويناسب ظروفه وأحواله وبيئته فيسعد..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت