الصفحة 892 من 3812

وأنّ ليس كل جديد بدعة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (الحكمة ضالة المؤمن) ، وليس كل تشبه بالخير الذي عند الغير ولا كلّ تصرّف شبهة أو حراما كما رهن الرسول -صلى الله عليه وسلم- درعه عند يهودي في مقابل شعير يأكله، وهو يعلم أنّ ماله فيه شبهة يختلط حلاله بحرامه؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) ، والاستثناء هو المنع لما يضر ويتعس..

وأنّ التخطيط وترتيب الأولويات هو أصل دعوي لا تسير الدعوة بدونه كما هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام الذين خططوا للتربية وللتخصص ليقودوا الدنيا بقوانين الإسلام ليَسعدوا ويُسعدوا، وحققوا بالفعل ما أرادوا..

وهذا الفهم الصحيح يتأتّى بالقراءة والاطلاع، ومعايشة الفاهمين الواعين وسؤالهم، ومتابعة الواقع ؛ وهو ما يعين على تغيير كثير من المفاهيم وأساليب التفكير.

القدوة:

قدوة الوالدين مع أبنائهم في البيوت، والمدرسين مع تلامذتهم في المدارس، والأساتذة مع طلابهم في الجامعات، والمسؤولين مع مرؤوسيهم، وكل داع مع مدعويه.. يكون كل هؤلاء قدوة فيما سبق ذكره في بند الفهم.. فإذا ما كانوا كذلك، فلا بد أن ينشأ نشؤهم أيضا كذلك، كما كان الصحابة مثل الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- وكان حديث عهد بالإسلام قال: (بينا نحن نصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه.. ما شأنكم تنظرون إلي ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمّتوني سكتّ، فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبأبي وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، والله ما قهرني، ولا شتمني، ولا ضربني، وإنما قال:(إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن...) (جزء من حديث أخرجه أحمد) .. فلقد تعلموا منه -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموقف وحده الحوار، وسعة الصدر، والصبر، والرفق، وعدم التوتر عند حل المشكلات؛ بل حلها ببساطة، والتدرج في الأخذ بيد المخطئ حتى ينصلح، والتيسير لا التعسير، والتفاؤل في تحقيق النتائج لا التشاؤم.

العلم:

فكلما ازداد العلم، وتعددت الآراء.. كان هناك أكثر من رأي في التعامل مع كل موقف، وكلما اتسع الأفق.. ازداد عدد المتعاملين بهذا الإسلام المرن الشامل، وانتشر وساد.

يقول -صلى الله عليه وسلم-: (أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) (أخرجه البخاري) ، وقد قاله لبعض الصحابة لما تحرّج بعضهم أن يأكل من غنم كانت أجرا لأحدهم، قام برقية ملدوغ والدعاء له بقراءة الفاتحة فقال لهم: (.. وما يدريك أنها رقية .. قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما) .. وضحك (أخرجه البخاري)

فقد تعلموا منه -صلى الله عليه وسلم- هنا أنه أحيانا يظن الداعي أنّ الأمر شبهة وهو ليس هكذا، بل حلال.. كأن يأكل مثلا عند جاره أو صديقه أو زميله أو مضيفه، وليس عليه أن يسأل عن مصدر ماله إلا ما يظهر له، ويتأكد دون أي شك أنه حرام.

الخبرة:

فخبرات الحياة تضيف بكل تأكيد سعة في التصرف وقدرة على إحسانه، يقول تعالى على لسان هارون مبررا هدفه من انتظار عودة موسى -عليهما السلام- رغم ارتداد بعض قومه عن بعض دينهم: ( إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (طه: 94) .. قال الإمام القرطبي: (أي خشيت أن أخرج وأتركهم، وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ولتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال..) ؛ فخبرة هارون -عليه السلام- بأحوال قومه وواقعهم جعلته يحسن التصرف معهم.

التدريب:

من خلال الدورات التدريبية التي لا بد أن يتبعها ممارسات عملية.. فلقد جمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الصحابة على صلاة القيام في رمضان ليدرّبهم ويشجعهم عليها، رغم أنهم لم يتجمعوا لها في أثناء حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعاجلهم بقوله: ( نعم البدعة هذه) توسيعا لفقههم وأفقهم وأسلوب تفكيرهم.. فإن كنتم تظنون أني مبتدع بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذن فهي بدعة، ولكنها حسنة.

التخطيط:

فمعرفة وتحديد الأهداف المراد الوصول إليها، ووسائلها، ومن سيقوم بها، ومواقيتها، وميزانياتها.. كل ذلك -ولا شك- يوسّع الأفق، ويدفع للتعاون مع الآخرين لإنجازها.. ولعل في قصة هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودقة تخطيطه لها واستعانته بغير مسلم لدلالته على طريق آمن خير دليل على ذلك.

الانفتاح:

بالتواصل مع الجميع، والحوار معهم، والاستفادة من آرائهم واقتراحاتهم وخبراتهم.

يقول -صلى الله عليه وسلم- منبها لهذا عند حديثه عن (حلف الفضول) الذي كان قبل الإسلام، وكان أعضاؤه من الفضلاء، وكانت مبادئه كلها إسلامية حيث نصرة الضعفاء والمظلومين: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت) (راجع سيرة ابن إسحاق) فكل ما ينفع من مسلمين أو غيرهم يسعى إليه المسلم، لينتفع ويسعد به، وينفع ويسعد من حوله.. ولا شك أن استخدام وسائل الاتصال الحديثة يعين كثيرا في هذا.

الصحبة:

فهي بصلاحها ووعيها تعين على كل ما سبق؛ إذ هي تؤثر بخيرها في غيرها، وتتأثر بخيرهم، وتغيّر شرهم.

بهذا كله يتسع الأفق، وينجح الداعي، وتنتشر الدعوة، ويكثر الخير، وتعم السعادة، ويزداد الثواب.

كاتب المقال: د.محمد متولي منصور .

المصدر: إسلام أون لاين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت