فهرس الكتاب
الدعوة إلى الله في مجال الأخلاق
الأخلاق فعال الظاهر بحركة الباطن وإرادته، وتظهر أهمية الأخلاق بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، وذلك لأن الأخلاق هي الجانب التطبيقي للمسلم في سائر علاقاته، والسمو بهذه العلاقات هو الهدف الأساس للدين، والعبادات المشروعة في دين الله أعمال مكررة من أجل أن يعتادها الفرد المسلم فيعتاد من خلالها على الأخلاق الحميدة.
وللأخلاق أهمية بالغة لما لها من تأثير كبير في سلوك الإنسان وما يصدر عنه، وقد كان النهج السديد في إصلاح الناس وتقويم سلوكهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم أن يبدأ المصلحون بإصلاح النفوس وتزكيتها وغرس معاني الأخلاق الجيدة فيها.
فللأخلاق مكانة كبيرة في الإسلام تظهر من خلال مدح الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بحسن الخلق في كتابه الكريم بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (4) سورة القلم، ومن خلال دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لربه بأن يحسن خلقه، فقد كان يقول: (اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي) .
الملامح العامة لمناهج الدعوة في جانب الأخلاق:
-بيان الأخلاق الكريمة والنص على أصولها: كالصدق، والعدل، والأمانة.
-بيان الأخلاق الذميمة والنص على أصولها: كالكذب، والجور، والخيانة.
-وضع ضوابط ومعايير ثابتة تُعرف بها الأخلاق الحميدة من غيرها، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .
-الدعوة إلى تحسين الأخلاق ومجاهدة الطباع لقوله صلى الله عليه وسلم: (وخالق الناس بخلق حسن) .
ولم يكتف الإسلام بالدعوة العامة إلى الأخلاق الفاضلة، والنهي عن الأخلاق الذميمة، بل فصَّل القول في كل منهما في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فمن أمثلة الدعوة إلى الأخلاق الحسنة في القرآن الكريم ما يأتي:
-الوفاء بالعهد، قال الله تعالى: (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) (34) سورة الإسراء.
-الأمر بالعدل، قال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (152) سورة الأنعام.
-الحث على التعاون، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (2) سورة المائدة.
-الصبر، لقوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) (60) سورة الروم.
-الصدق، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) (119) سورة التوبة.
-الأمانة، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (8) سورة المؤمنون.
ومن الأمثلة على الأخلاق الذميمة التي نهانا عنها ديننا الحنيف:
-الكذب، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (28) سورة غافر.
-الظلم، لقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (21) سورة الأنعام.
-النهي عن الإسراف والتبذير والبخل والتقتير، لقوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (29) سورة الإسراء.
-الكبر والخيلاء، قال الله تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (18) سورة لقمان.
-الغل والحقد، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (10) سورة الحشر.
-السخرية والاستهزاء: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (11) سورة الحجرات.
وسائل تقويم الأخلاق:
قد يسأل المرء عن الأخلاق عمومًا، فيسأل نفسه: هل بإمكانه تقويمها وتوجيهها الوجهة الصحيحة؟
ونجيب على ذلك بنعم، حيث يمكن اكتساب الجيد منها والتخلي عن السيئ وذلك من خلال عدة وسائل أهمها:
-العلم وذلك بمعرفة الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام والالتزام بها، ومعرفة الأخلاق السيئة التي نهى الإسلام عنها وتجنبها.
-تقوية معاني العقيدة الإسلامية في النفس، وإدراك أن المسلم سيجازى على أعماله والتي منها أخلاقه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.