فهرس الكتاب
يشاهد المطلع على أحوال الدعاة إلى الله تعالى ممن يعانون من الفقر وقلة ذات اليد وهم كثر في عالمنا الإسلامي ظاهرة انتكاس بعضهم عن الطريق ووجود فتور كبير لدى عدد ليس بالقليل منهم.
ونظرًا لخطورة هذه الظاهرة على مسيرة العمل الدعوي ، وما تدل عليه من ضعف الثقة بالله عز وجل ، وعدم الرضا بالقضاء والقدر ، بالإضافة إلى الجهل بسنن الله عز وجل في المنع والإعطاء... بادرت مستعينًا بالله تعالى في كتابة هذه السطور محاولًا إلقاء الضوء عليها ، راجيًا أن تتضح الرؤية لأولئك فيعود من ضاع منه الطريق ، ويقوى على السير من لبث في مكانه وفتر عزمه ولم يواصل المضي ، عسى أن تكون كلماتي عامل تقوية وتثبيت لبعض من تتحرش بهم شياطين الجن والإنس ، وتكاد ضغوط المعاناة وشدة الواقع أن تأتي عليهم ، فتقعدهم عن مواصلة المسير في سبيل الدعوة إلى الله.
وسيكون الحديث بالأصالة متجهًا إلى من يعيش الأزمة ويكتوي بنارها كما أن جزءًا منه سيكون موجهًا لإخوانهم الموسرين الذين يشاطرونهم حمل هم هذا الدين ، وهم على معرفة بأحوالهم وشدة معاناتهم.
من تلك حاله كيف يصنع؟
وبما أن الأمر في ذلك وارد على كل داعية إلى الله ، فلابد أن يوطن الداعية نفسه على الآتي:
1-أن يتذكر أن الله يبتلي عباده بالغنى والفقر ، فيوسع على بعضهم في الرزق ، ويهبهم من عظيم خيراته الشيء الكثير ؛ لكي يقوموا بواجب الحمد والشكر له ، ويمنع سبحانه بعضهم من تلك السعة ، ويقدر عليهم رزقه؛ لكي يقوموا بواجب الصبر وكمال الرضا ، فيوفق للحمد والشكر من الأغنياء فريق ، ويتجبر الفريق الآخر منهم ويطغى كما قال تعالى: (( كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) ) [العلق: 56] كذلك حال الفقراء حيث يوفق للصبر والتسليم والرضى بالقضاء طائفة منهم ، وتتجه الأخرى إلى التسخط والجزع ، بل وربما إلى ممارسة كسب المال من طرق غير مشروعة.
2-معرفة أن الله عز وجل قد تكفّل برزق الخلائق كما قال تعالى: (( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) ) [ هود: 6] ، وما تكفل الله به فلا خوف من تأخره أو ضياعه وعدم وصوله؛ ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه الذين تعرضوا له بالمسألة رجاء التوسعة عليهم: (... فو الله ما الفقر أخشى عليكم... ) ، وهذا راجع إلى كمال اطمئنانه وعظيم ثقته بموعود ربه ، ويقينه التام بأن ما قدره الله للعبد من رزق فهو آتيه لا محالة.
3-العلم بأن لهذا الابتلاء فوائد جَمة متى استطاع المرء تحقيقها تحول الأمر في حقه من محنة إلى منحة ، ومن نقمة إلى نعمة ، ومن تلك الفوائد:
*أن العبد بصبره على الابتلاء ينال ما ذكره تعالى في سورة البقرة في قوله: (( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) ) [ البقرة: 155-157] .
*أن العبد المبتلى بذلك يتقلب بين مقامات العبودية المختلفة من صبر وتسليم ورضا وتوكل ورجاء وورع ولجوء وتضرع وسكينة وثقة... إلى غير ذلك من المقامات العالية لذلك التي قد يحرمها لو لم يُصَب بذلك.
بالإضافة إلى المقامات الأخرى من حمد وشكر وإحسان إلى الآخرين... إلى غير ذلك مما يناسب النعم التي أعطيها العبد كنعم الإيمان والصحة والأخلاق الحميدة والاشتغال بما ينفع في الآخرة... إلخ.
*أن من ابتلي بذلك من الدعاة وصبر يصلب عوده ويقوى ويصبح أكثر قدرة على الثبات في مواجهة المحن والأزمات ، وبخاصة إذا كان السبب المباشر لمعاناته من الفقر وقلة ذات اليد تَمَسّكُه بدينه وثباته على دعوته وقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
*أن المصيبة والابتلاء في الدنيا لا في الدين ، ومن عرف حقيقة الدنيا والدين وابتلي وكانت مصيبته في دنياه ، عرف أنه قد سلم وعوفي وأن واجبه الشكر والثناء لا السخط وعدم الرضا.
*أن كل مصيبة سببها المعاصي والذنوب كما قال تعالى: (( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) ) [الشورى: 30] ، والمصائب والبلايا تُكَفّر الذنوب ، ولولا رحمة الله تعالى بإيقاعها عليه في الدنيا لأجلت عقوبة ما اقترف من ذنوب إلى الآخرة ، وعقوبة الآخرة ليست كعقوبة الدنيا مهما عظمت وجلّت ، وعند ذلك يجب في حق العبد الشكر والثناء على الله تعالى.
*أن المصيبة واقعة لا محالة لكونها مكتوبة على العبد ، قال صلى الله عليه وسلم: (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) وكونها قد وقعت فقد استراح منها إن انتهت ومن بعضها إن بقيت وهذه نعمة وتوفيق وفضل من الباري سبحانه.
4-استشعار حقيقة الدنيا والآخرة والنظر في النصوص الكثيرة من قرآن وسنة التي تزهد في الدنيا ، وتخبر بمصيرها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها وشدة فتنتها من جهة ، وتُرغّب في الآخرة وتخبر بشرفها ودوامها ومن ذلك قوله تعالى: (( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) ) [النساء: 77] ، وقوله عز وجل: (( بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى ) ) [ الأعلى: 16،17] ، وقوله سبحانه: (( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ) ) [النحل: 96] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم) .