فهرس الكتاب
قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد كلام له جميل حول هذا الموضوع: (... فإذا أراد الله بعبد خيرًا أقام في قلبه شاهدًا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة ، ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار)
5-إدراك أن الدنيا لا يقوم عليها ميزان التفاضل في الدار الآخرة ، بل ذلك يقوم على التقوى فمن أكرمه الله وفقه لطاعته والإيمان به ومحبته ومعرفته والدعوة إليه وتحمل الأذى في سبيله، ومن أهانه سلبه ذلك قال يحيى بن معاذ رحمه الله: (لا يوزن غدًا الفقر والغنى وإنما يوزن الصبر والشكر) ، وقال ابن القيم رحمه الله ناقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل بالتقوى ، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة) .
وبالتالي فلا غضاضة على العبد أن يكون فقيرًا في هذه الدنيا إذا كان الفقر لا يعني دناءة المنزلة عند الله عز وجل ، بل إن لله أولياء من خلقه شعثًا غبرًا مدفوعين في الأبواب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رب أشعث مدفوعًا في الأبواب لو أقسم على الله لأبره) ، وكما قال -صلى الله عليه وسلم- للصحابة حين مر رجل من أشراف الناس فقالوا: هذا والله حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع ، ومر رجل من فقراء المسلمين فقالوا هذا حري إن خطب أن لا ينكح ، وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال صلى الله عليه وسلم: (هذا خير من ملء الأرض من هذا) .
6-حتى تكون راضيًا مطمئنًا:
من أجل أن يخفف الداعية عن نفسه القلق الناتج عن المعاناة من قلة ذات اليد، وينقلب توتره وضجره إن كان موجودًا إلى هدوء واطمئنان ورضا، عليه التأمل فيما يأتي:
*النظر في حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما ورد في سيرته حيث توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير، وكان يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، وتوفي وما شبع ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة، وكانت تمر عليه ثلاثة أهلّة في شهرين دون أن يوقد في بيته نار، إنما طعامهم الأسودان التمر والماء، وكان -صلى الله عليه وسلم- يأكل ومن معه في صدر الإسلام ورق الشجر كما قال عتبة بن غزوان: (لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما طعامنا إلا ورق الحُبْلَة حتى قرحت أشداقنا) ، إلى غير ذلك من الصور الكثيرة التي نقلها لنا مَنْ دَوّنَ سيرته -صلى الله عليه وسلم- وسير صحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، على الداعية الحق أن ينظر في ذلك، ويتذكر أنه ليس الوحيد الذي يسير في قافلة الدعوة، ويعاني من قلة ذات اليد، فهذا قائدها -صلى الله عليه وسلم- وكبار أعلامها قد عانوا ما يعاني وله بهم أسوة كما قال تعالى: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراْ ) ) [الأحزاب: 21] .
*عليه أن ينظر إلى من حوله من إخوانه ، الذين هم أكثر فاقة وأشد معاناة ويرى عظم مصيبتهم وضخامة حاجتهم ، فيواسي نفسه بمقارنة مصيبته بمصيبتهم، وخفة حاجته عند عظيم فاقتهم ، فيحمد الله على التخفيف والرحمة بأن لم يبتله كما ابتلاهم، ولم يمتحنه كما امتحنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه) وفي رواية (فهو أجدر ألا تزدروا نعمة من الله عليكم) .
*وعليه أن ينظر إلى نفسه بشمول في وقته السابق واللاحق، وسيجد عند ذلك عظم نعم الله تعالى عليه في سائر أحواله الماضية والحاضرة، وأن الله عز وجل إن كان قد منعه في وقت فقد أعطاه في أوقات، وإن كان قد حرمه في جانب فقد منحه الشيء الكثير في جوانب أخرى، وعليه أن يقوم بتعداد نعم الله، وسيجد أن لا قدرة له على حصرها وتقصيها ليعلم عند ذلك مدى كفرانه بنعم الله، وجحوده بها من جهة، وواسع رحمة الله ولطفه وعظم تجاوزه عنه ومغفرته من جهة أخرى، قال تعالى: (( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) ) [إبراهيم: 34] وقال عز وجل: (( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) ) [النحل: 18] ، مع أنه ليس للعبد من ذاته في الحقيقة سوى العدم وكل ما فيه وله من خير فهو محض جود الله تعالى وإحسانه.
*عليه التأمل في حال أصحاب الأموال الذين لم يرد الله لهم خيرًا، وجعل ما آتاهم من رزق سبب شقاوتهم في الدنيا، فلا هم يهنؤن بعيش ولا يشعرون بطمأنينة واستقرار أو بسكينة وهدوء بال، بل قد يُودي ببعضهم إلى قتل النفس والانتحار، وسبب شقاوة بعضهم في الآخرة حيث قادهم إلى الكفر بالله والجحود، وبالتالي قادهم إلى النار كقارون الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فطغى وتجبر وجحد وقال إنما أوتيته على علم عندي ، فكانت عاقبته كما قال تعالى: (( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ) ) [القصص: 81] .
7-العلم بأن الفقر بلاء عام بين الخلق يبلتي به الله تعالى من شاء من عباده الدعاة وغيرهم ولا علاقة لوجوده بالاشتغال بالدعوة إلى الله تعالى والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالتالي فإن التذرع عن ترك الاشتغال بالدعوة وحمل هم هذا الدين بطلب الرزق والسعي إلى كسب المال خطأ فاحش إذ لا علاقة لهذا العمل الجليل بوجود الفقر ، بل إن الأمر على العكس من ذلك ، فإن القيام بطاعة الله تعالى وتقواه من خلال نشر هذا الدين بين الناس ومحاربة الكفر والبدع والمعاصي في الأمة ، من أعظم أسباب جلب الرزق كما قال تعالى: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجاْ * ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ) [الطلاق: 23] .