الصفحة 898 من 3812

مع أن تارك السير في قافلة الدعوة لأجل ذلك أضاف إلى معاناته من الفقر وعدم سلوك الأسباب الجالبة للرزق حرمان نفسه من الأجر والثواب عند الله تعالى وما عنده خير وأبقى وقيامه بتعريضها للعقوبة لعدم قيامه بزكاة العلم الذي آتاه الله إياه ، وتتمثل بنشره بين الناس وتعليمهم إياه.

8-أن يعلم أن الخير له فيما اختاره الله عز وجل ، وأن الفقر قد يكون هو الخير له لأن من عباد الله أناسًا من لو أغناهم لحملهم ذلك على البغي والطغيان والكفر بالرحمن والتجبر على الخلان أشرًا منهم وبطرًا ، كما قال تعالى: (( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) ) [الشورى: 27] ، قال العلامة ابن سعدي مفسرًا لهذه الآية: (( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) )أي لغفلوا عن طاعته وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا ، فأوجبت لهم الانكباب على ما تشتهيه نفوسهم ولو كان معصية وظلمًا (ولكن ينزل بقدر ما يشاء) بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته (إنه بعباده خبير بصير) ، كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول: (إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك...) .

9-الحذر من القيام بالتعرض للآخرين للحاجة والتنبه إلى عدم طرق أبواب المسألة ، والعلم بأن ذلك وإن جاز لأناس رخص لهم الشارع بذلك ، فإنه مما لا ينبغي للدعاة سلوكه بحال لأن سبيلهم التعفف والتجمل وعدم إظهار الشكوى والفقر ، بل ستره وكتمانه اتصافًا بقوله تعالى: (( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) ) [البقرة: 273] ، ورجاء تحقيق الامتثال لقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله) .

10-ليعلم الداعية الذي هذا حاله أن ما سبق بيانه ليست بدعوة إلى ترك العمل ، وتعطيل أسباب تحصيل الرزق ، فإن ذلك في الحقيقة نقص في العقل وجهل بالشرع ومخالفة له ، كما قال تعالى آمرًا بالأخذ بالأسباب مع عدم الركون إليها: (( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) ) [الملك: 15] .

بل إن تعريض الإنسان نفسه للفقر حتى يضطر إلى الآخرين مع قدرته على الكسب غير اقتراف الإثم له آفات ومفاسد كثيرة منها:

*تعلق القلب بما يقيم أوده ويعيشه وما هو محتاج إليه في هذه الدنيا ، فيبقى في تفكير عميق ومجاهدة شديدة مع نفسه لترك حظه منها وهذا من قلة الفقه وعدم الرشد ، والعاقل في تعامله مع نفسه من يقوم بإعطائها حقها ويطالبها بما عليها ، وهذه هي طريقة وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء والذي صدّقه فيه صلى الله عليه وسلم: (إن لربك عليك حقًا ، ولنفسك عليك حقًا ، ولأهلك عليك حقًا فاعط كل ذي حق حقه) .

وعلى العبد القادر على الكسب أن يستبدل مجاهدته لنفسه في شهوة مباحة مجاهدته لأعداء الله وشرعه من شياطين الجن والإنس ، وأن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله على بصيرة.

*تطلع النفس إلى ما في أيدي الناس ، وتعريضها للحاجة والسؤال إذا مسته الحاجة إلى المال. ولا شك أن استدامة طلب الرزق الحلال لمن هذه حاله أنفع له من ترك ذلك.

*مع التسليم جدلًا بأن من هذه حالته سيقطع تعلق قلبه بحاجات نفسه ويقوم بمنع نفسه من المسألة، فإنه يخشى عليه أن يداخله من الكبر والعجب والزهو والغرور ما يفسد عليه قلبه ويمرضه إن لم يميته ، وتلك والله القاصمة.

كما أن هذه الأسطر ليست دعوة إلى الإعراض عن نعم الله المتيسرة من الحلال ونبذها وإضاعتها ، لأن تلك النعم في نظر الأخيار عونًا على الإيمان والعمل الصالح ، ولكنها نداء إلى استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب ، والسعي إلى عدم تعلقه بها وحرصه عليها واشتغاله بأجمعه بها حتى يصل إلى مرحلة عدم الفرح بموجود فيها وعدم الأسف على مفقود منها كما قال تعالى: (( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) ) [الحديد: 23] .

إنها دعوة إلى أن يربي العبد نفسه على غنى النفس ، وأن يكبح جماحها ويقوم بتهذيبها حتى تصل إلى مرحلة القناعة بأنه لن يفوتها شيء من الرزق قسمه الله تعالى لها في الأزل ، وأن يقوم بتوطينها على الرضا باليسير حتى يصل بها إلى درجة الاستغناء عن الخلق ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) .

11-ومع الدعوة إلى طرق أسباب الرزق الحلال من تجارة وزراعة وصناعة... إلخ ، فإنه لابد من التذكير بأن العبد لا ينبغي له ترك ما بيّنَه الشرع من أمور جالبة للرزق ومنها:

*التقوى كما في قوله تعالى: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجاْ * ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ).

*الاستغفار كما في قوله تعالى: (( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراْ * يرسل السماء عليكم مدراراْ * ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراْ ) )

[نوح: 10-12] .

*الإنفاق والصدقة كما في قوله تعالى: (( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) ) [سبأ: 39] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال) ، وقوله تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم أنفق ينفق عليك) .

*الشكر للنعم وعدم كفرانها كما قال تعالى: (( لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) ) [إبراهيم: 7] .

*الاستغناء عن الخلق والتعفف عما في أيديهم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله) .

*صلة الرحم كما قال صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في عمره فليصل رحمه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت