فهرس الكتاب
وفي اليوم المحدد لقتله أخرجه المشركون إلى التنعيم ليصلبوه، فقال لهم:"إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا"قالوا: دونك فاركع .. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم، فقال:"أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعًا من الموت لاستكثرت من الصلاة". وعندما رُفع خبيب على الخشبة قال له المشركون: ارجع عن الإسلام نخلي سبيلك. فقال:"لا والله ما أحب أن أرجع عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعًا.. إن قتلي في الله لقليل .. اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، اللهم إنه ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلغه أنت السلام".. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت بين صحبه في المدينة، فأخذته غيبة ثم قال: [هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُنِي مِنْ خُبَيْبٍ الَسَلَامَ] رواه الطبراني في معجمه الكبير-بنحوه-.
واقترب من خبيب أربعون رجلًا من المشركين، بأيديهم الرماح، وقالوا: هذا الذي قتل آباءكم في بدر. فقال خبيب:"اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك .. فأبلغه الغداة ما يُصنع بنا".
وعندما أخذت الرماح تمزق جسده، استدار إلى الكعبة وقال:"الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته التي ارتضى لنفسه ونبيه وللمؤمنين".. واستمر أعداء الله يمزقون جسد خبيب برماحهم وهو لايفتر يردد:"لا إله إلا الله محمد رسول الله"حتى لفظ نفسه الأخير، وفاضت روحه الزكية الطاهرة إلى الملأ الأعلى .
المحنة في عصر التابعين:
ويأتي عصر التابعين .. ويطالعنا التاريخ بألوان شتى من محن الإسلام .. ففي هذه المرحلة تتكاتف لهدم الإسلام معاول الأبناء والأعداء، ففي عام 75 هـ يتولى الحجاج بن يوسف الحكم في العراق. ويشهد هذا البلد الإسلامي في عهده أيامًا سوداء . ومن سنة الله في خلقه أنه يهيء للطغاة رجالًا لا يهابون الطغيان .. يصنعهم على عينه . ويهبهم الجرأة فيه، وكان سعيد بن جبير أحد هؤلاء الذين خلصوا من حظ أنفسهم..
وعندما صمم الحجاج على قتله والخلاص منه أرسل جنودًا بطلبه فجاءوا به، وأدخلوه عليه، ثم ذبحوه على النطع ـ رحمه الله ـ، وعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة ثم مات .
المحنة بين الأمس واليوم:
هكذا تبدت معالم الصراع بين الحق والباطل على مدار التاريخ، إنها صورة واحدة ذات أشكال متعددة .. تتغير فيها الأزمان، والأشخاص وتبقى الحقيقة هي هي .. إنه استعلاء الإيمان في كل زمان .. واعتزاز الحق في كل عصر.
أصحاب العقيدة يدفعون الثمن: وتشتد المحنة في حياة الدعوة .. وتئول قيادة الأمة إلى حكام طغاة، يسومون المؤمنين سوء العذاب .. وحق على دعوة الإسلام أن تدفع الثمن . وتدفعه بسخاء: دماء وضحايا وشهداء .
كيف نواجه المحن ؟
إن الحركة الإسلامية إذ تواجه اليوم ما تواجه من تحديات وضغوط ينبغي أن:
تنطلق على هدي: فلا تتحكم في سيرها الانفعالات، أو تميد بها العواطف والطفرات.
مدعوة لمواجهة هذه الحرب السافرة على الإسلام وأهله: بالصياغة الحسنة لشبابها ورجالها، وبالإعداد الكامل، ثم بالتخطيط الواعي لكل خطوة من خطاها .
أن تغرس في نفوس عناصرها ودعاتها روح البذل والتضحية، وتستأصل من نفوسهم عوامل الضعف والخوف والانهزام .
إن الحركة الإسلامية مدعوة: لتضع في تقديرها وحسابها في مجالات التربية والتكوين ثقل المسئولية، وضخامة التبعة التي تنتظرها وتنتظر أفرادها؛ فتسلك بهم كل ما من شأنه أن يعدهم لحياة المجاهدة والمرابطة والكفاح .. وتنأى عما يخلد بهم إلى الأرض ويعودهم حياة الدعة والخنوع .
كاتب المقال: الأستاذ فتحي يكن
حكم الإنكار في مسائل الاجتهاد
تمهيد:
جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص صفات صفيه من خلقه صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه حيث قال: (( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباْ عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ) ) [الأعراف:157] ، وهذا الوصف أيضًا من أخص أوصاف من اصطفاهم من سائر البشر ليكونوا أتباعه ورسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ) ) [التوبة:71] وبين جل جلاله أوصاف المؤمنين: (( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ) ) [التوبة:112] وجعل الله تعالى مناط خيرية أمتنا الإسلامية بهذا الوصف (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ) [آل عمران: 110] .
وهذا الوصف له آداب وضوابط يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معرفتها والالتزام بها، من هذه الآداب مسألة هامة وهي: حكم الإنكار في مسائل الاجتهاد:
أهمية هذه المسألة:
الكلام في هذه المسألة يعتبر من أهم ما ينبغي معرفته في هذا الباب، وذلك لسببين رئيسين:
الأول منهما: كثرة وقوع اللبس والخلط في هذا الجانب.. فإن الكثيرين ممن يتكلمون عن هذه المسألة يعبرون عنها بـ »الإنكار في مسائل الخلاف « فيطلقون القول بـ » عدم الإنكار في مسائل الخلاف«.
ولو جعلنا عبارتهم هذه قاعدة وأردنا تطبيقها لتعطل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمامًا.. لأن الخلاف واقع في أصول الدين وفروعه في القديم والحديث، فما هو الضابط في ذلك؟ الحق كما قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبرًا .. إلا خلاف له حظ من النظر
السبب الثاني: هو استغلال كثير من أهل التلبيس والتدليس والخلط، ذكر بعض أهل العلم مثل هذه العبارة في كتبهم..!! فأصبحت مُعَوّلًا لأولئك لتثبيت جذور التمييع لمسائل الشريعة العلمية والعملية..!