فهرس الكتاب
وإن من عادة أهل البدع إطلاق العبارات المجملة .. والموهومة، ليصلوا منها إلى معان باطلة!! والحق في خلاف مسلكهم هذا.. قال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
فعليك بالتفصيل والتمييز فالإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأذهان والآراء كل زمان
وقال:
فعليك بالتفصيل إن هم أطلقوا أو أجملوا فعليك بالتبيان
وقد علمت مما سبق أنه لا يحكم على الشيء أو الفعل بأنه منكر إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أو إجماع المسلمين.. وعليه فإنه إذا وُجد النص فلا عبرة بخلاف المخالف كائنًا من كان..!
فالقول بأن (مثل هذا من المختلف فيه الذي لا ينكر) قول باطل.. وإنما العبارة الصحيحة (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) .
فإذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد التي لم يرد فيها دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، أو وقع عليها الإجماع.. أو كانت مما تضاربت فيها الأدلة - ظاهرًا - في نظر المجتهد أو خفي المأخذ، أو غير ذلك من الأمور المعروفة، فهذا مسلم، وبه تعلم أن هناك فرقًا بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، فالأولى أعم من الثانية كما هو ظاهر.
والحاصل أنه كلما قوى الخلاف كلما كان العذر أقرب.. والعكس يقال في حال ضعفه.
جاء في نصاب الاحتساب: (.. ومن لم يستر الركبة ينكر عليه برفق لأن في كونها عورة اختلافًا مشهورًا، ومن لم يستر الفخذ يعنف عليه ويضرب لأن في كونه عورة خلافًا عند بعض أهل الحديث) .
ومما يُستدل به على بطلان القول بعدم الإنكار في مسائل الخلاف: إنكار الصحابة ومن بعدهم على المخالف للسنة الثابتة كائنًا من كان، والأمة مأمورة بإتباع نبيها-صلى الله عليه وسلم- وكل من أتى بما يخالف هديه الثابت وسنته فهو مخطئ قطعًا وينكر عليه.
وقد أنكر الصحابة على من منع من التمتع بالعمرة، وعلى من أتم في السفر، وعلى من حرق الغالية بالنار، علمًا بأن القائلين بهذه الأقوال آنفة الذكر هم من أفاضل الأمة وخيارها بعد نبيها-صلى الله عليه وسلم-، ولا يدانيهم من كان بعدهم لا في علم ولا في تُقىً..!!
وإن مما ينبغي أن يُعلم أنه ليس كل مجتهد مصيب، وإنما المصيب واحد لأن الحق لا يتعدد، وإن كان المجتهد المخطئ مأمورًا بالعمل بما وصل إليه اجتهاده حتى يتبين له خطؤه، وهو مأجور أجرًا واحدًا في حال الخطأ، وله أجران في حال الإصابة.
وكثير ممن غلط في مسألتنا تلك إنما دخل عليه اللبس بسبب عدم وضوح هذه المسألة الأخيرة..!!
ونحن في هذا المقام أردنا الإشارة إلى هذه النقطة للتنبيه عليها دون الخوض في تفاصيلها، لأن هذا محله كتب الأصول.. وقد أطنب في شرحها وبيانها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فراجعه إن شئت.
وبهذا تكون قد عرفت أن الصواب إنما هو القول بعدم الإنكار في مسائل الاجتهاد.. وضابط هذا ما تقدم.. وأنه لا التفات إلى الخلاف الشاذ، كما أن مثله لا يجعلها مسائل اجتهاد، والواجب في مثل هذه الأمور الاجتهادية لزوم المناصحة والبيان من قبل من تبين له وجه الحق في شيء من تلك المسائل.
وقفات:
الوقفة الأولى: هذا الكلام يقال في حق المجتهد أو المتأول الذي له فيما ذهب إليه تعلق بالنصوص الشرعية، أما المقلد فلا، لأنه ينكر عليه، وقد نقل ابن مفلح رحمه الله رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله- تدل على أنه لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، قال إسحاق بن إبراهيم: عن الإمام أحمد أنه سُئل عن الصلاة في جلود الثعالب. قال: ( إذا كان متأولًا أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلًا ينهى..) .
الوقفة الثانية: لا يتنافى عدم الإنكار على المخالف في مثل هذه المسائل مع دراستها ومناقشتها بين أهل العلم، ليعرف كل منهم مأخذ الآخر ليهتدي الجميع للوصول إلى الحق، شريطة أن لا يؤدي هذا إلى فتنة أو مفسدة كبيرة، وبشرط أن لا يكون التشاغل بها على حساب ما هو أهم منها.
الوقفة الثالثة: يندب المخاطب إلى العمل بالأحوط والخروج من الخلاف في هذه المسائل جريًا على وفق القواعد الشرعية.
الوقفة الرابعة: تجنب الخلاف والحرص على تفاديه قدر الاستطاعة، مع التماس الأعذار للمخالفين، بالإضافة إلى عدم جعل هذه الخلافات الاجتهادية مجالًا للتفرق والانقسام واستباحة الأعراض.
الوقفة الخامسة: ينبغي حسن المحاورة والمناظرة في هذه المسائل وغيرها، مع التجرد للحق متى ظهر دليله، وترك المراء والجدال العقيم والمخاصمة.
وقد قرر ابن القيم -رحمه الله- مسألتنا هذه أحسن تقرير في كتابه العظيم ( إعلام الموقعين) فقال: (وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا شائعًا وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه »لا إنكار في المسائل المختلف فيها« والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا كان خالف كتابًا أو سنة، وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء!
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.