فهرس الكتاب
والصواب ما عليه الأئمة: أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل بها وجوبًا ظاهرًا، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها - إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به - الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في قول العالم: »إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد« طعن على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار..«.
فقه الدعوة إلى الله
فضيلة الشيخ الدكتور خالد القريشي (الأستاذ المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعودالإسلامية) .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فحديث هذه المقالة هو ما رواه الإمامان البخاري ومسلم - رحمهما الله - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه سَأَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رسول الله كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ) قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
وفي رواية أخرى للبخاري: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ قَالَ: (كُلُّ ذاكَ يَأْتِينِي الْمَلَكُ أَحْيَانًا فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ وَيَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ أَحْيَانًا رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُول) .
وهذا الحديث فيه من الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى شرح وبيان ما يأتي:
لفظة (صلصلة) وهي: صوت الأشياء الصلبة إذا وقع بعضها على بعض، وقيل هو الصوت المتدارك الذي لا يفهم أول وهلة.
ولفظة (الجرس) وهي: الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب، أو صطل في داخله قطعة نحاس معلق منكوسًا.
و أما جملة (فيفصم عني) :أي يُقلع.
وجملة (ليتفصد عرقًا) أي جرى عرقه كما يجري الدم من الفصاد.
أخي القارئ: ومن هذا الحديث نخرج بمجموعة من الفوائد والدروس الدعوية، نلخصها في الآتي:
أولًا: اهتمام السلف الصالح بتعليم أقاربهم وأهل بيتهم:
لقد كان سلفنا الصالح مثالًا عظيمًا في الدعوة إلى الله تعالى، ونشر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس وخاصة بين أقاربهم وأهل بيتهم، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تحدث بهذا الحديث وغيره لابن أختها عروة بن الزبير رضي الله عنهما، فقد كان ملازمًا لها، يقول الإمام الذهبي - رحمه الله: (حدث - عروة بن الزبير - عن خالته أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولازمها وتفقه بها) .
و أيضًا نجد في هذا الحديث أن عروة -رحمه الله- وعى هذا الدرس جيدًا، وهو الاهتمام بالأقارب والأهل بالدعوة والتعليم، فحرص على تعليم ابنه هشام -رحمه الله- هذا الحديث.
لذا ننبه كل مسلم إلى الاهتمام والعناية بالأهل والأقارب في الدعوة والتعليم، فالله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وأنذر عشيرتك الأقربين} . الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس.
كما إذا أُمِرَ الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له: أحسن إلى قرابتك. فيكون هذا الخصوص، دالًا على التأكيد، وزيادة الحث.
فامتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يُبقِ عليه الصلاة والسلام من مقدوره شيئًا من نصحهم و هدايتهم، إلا فعله، فاهتدى من اهتدى، وأعرض من أعرض.
الأمر الثاني الذي نستفيده من هذا الحديث:
أهمية أسلوب السؤال والجواب في تحصيل العلم ونشره:
يقول العلامة العيني - رحمه الله تعالى- عند شرحه لهذا الحديث: (فيه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألونه عن كثير من المعاني وكان عليه الصلاة والسلام يجمعهم ويعلمهم، وكانت طائفة تسأل وأخرى تحفظ وتؤدي وتبلغ حتى أكمل الله تعالى دينه) أهـ.
و من هنا يظهر أهمية هذا الأسلوب في الكشف عن كثير من المعاني والعلوم وذلك عن طريق تسليط الضوء عليها بالسؤال عنها.
و من السؤال للرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث نخرج بفوائد تتعلق بهذا الأسلوب، منها:
أولًا - أنه ينبغي للداعية إجابة من سأله عن أمر من أمور الدين.
ثانيًا - جواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره مما يخفى.
ثالثًا - أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين.