فهرس الكتاب
رابعًا - أن المسؤول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل وذلك يستفاد من قوله: (أَحْيَانًا فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ) .
الفائدة الثالثة التي نستفيدها من هذا الحديث:
أسلوب ضرب المثل لتقريب المعاني و إيصالها للذهن:
لقد ضرب الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام الأمثال للناس، وذلك لما للمثل في الكلام من مكانة هامة ووظيفة لا تنكر، إذ أنه له تأثير عجيب في الآذان، وتقرير غريب لمعانيها في الأذهان.
يقول الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- عن ضرب الأمثال إنها: (لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به، فقد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره، فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير. ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق، أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له، فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته) أ هـ.
وفي هذا الحديث يستخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب، الذي قال عنه العلامة الكرماني -رحمه الله-: (إنه عليه الصلاة والسلام كان معتنيًا بالبلاغة مكاشفًا بالعلوم الغيبية وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد فإذا أراد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا بما شاهدوه ما لم يشاهدوه، فلما سأله الصحابي رضي الله عنه عن كيفية الوحي، وكان ذلك من المسائل العويصة ضرب لها في الشاهد مثلًا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيهًا على أن إتيانها يرد على القلب في لبسة الجلال فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلوب، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك، فإذا كشف عنه وجد القول المنزل بينًا فيُلقى في الروع واقعًا موقع المسموع وهذا معنى قوله: - فيفصم عني وقد وعيت .. - ) أهـ.
الرابع من الفقه الدعوي الذي نستفيده من هذا الحديث:
ضرورة تحلي الداعية بالصبر:
إن الصبر من أعظم صفات الداعية التي لا يستغني عنها في دعوته للناس واختلاطه بهم، فهو لابد أن يلاقي من بعضهم الصدود والإعراض، إن لم يلاق الأذى والعذاب والاضطهاد، فبالصبر يمضي في دعوته ولا يبالي بما يلاقيه في سبيلها من مشقة وصعاب.
يقول الإمام الخطابي - رحمه الله تعالى- عند شرحه لهذا الحديث: (وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند نزول الوحي هي شدة الامتحان له ليبلو صبره ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة، وحسن الاضطلاع للنهوض به إن شاء الله تعالى) أهـ.
فالداعية العالم - وريث الأنبياء في أخلاقهم وعلمهم ودعوتهم - لزامًا عليه أن يتحلى بالصبر ويتخلق به لكي تنجح دعوته، وتسير في مواجهة الصعاب والأعباء التي لا بد أن تلاقي كل من سار في هذا الطريق ومشى فيه.
الخامس من الفقه الدعوي في هذا الحديث:
أهمية كون الداعية من جنس المدعوين ويشابهم في اللغة واللباس وغيرها من الأمور:
إن مما يساعد على تقبل المدعوين للداعية، والأنس به، وما يأتي به، أن يكون منهم، ويتكلم بلغتهم، ويلبس لباسهم، ويمارس عاداتهم - بشرط أن لا تخالف أيٌّ من هذه الأمور الشريعةَ، يقول الله تعالى: {وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليُبيِّن لهم} .
وفي هذا الحديث ما يدل على أهمية هذا الأمر، حيث يقول الإمام الكرماني -رحمه الله- عن أنواع الوحي في هذا الحديث: ( النوع الأول أشد عليه من النوع الثاني، وذلك لأن الفهم من كلام مثل صلصلة الجرس أشكل من الفهم من كلام الرجل المتكلم على الطريقة المعهودة عند التخاطب، أو لأن سنة الله تعالى لما جرت من أنه لابد من مناسبة بين القائل والسامع حتى يصح بينهما التحاور والتعليم والتعلم، فتلك المناسبة إما باتصاف السامع بوصف القائل لغلبة الروحانية عليه، وهو النوع الأول، أو باتصاف القائل بوصف السامع، وهو النوع الثاني، والدليل عليه تمثله رجلًا كما أن الدليل على الأول كونه قسيمًا له، ثم لاشك أن الأول أشد، وقد تبين وجه الحصر فيهما من هذا التقدير ) أهـ .
لذا ينبغي للمسؤولين عن الدعوة وإعداد الدعاة، أن يهتموا بكون الدعاة من أهل البلاد التي تكون فيها الدعوة،حتى لا ينفروا منهم، ويبتعدوا عنهم، أو على أقل تقدير لا يأنسوا بهم مما يُضعف نتائج الدعوة المرجوة فيهم.
السادس من الفقه الدعوي في هذا الحديث:
أهمية تفريغ المدعو من الشواغل قبل البدء بدعوته:
يقول الإمام النووي - رحمه الله تعالى- عند شرحه لهذا الحديث: (قال العلماء: والحكمة في ذلك -أي شدة الوحي وقوة صوته- أن يتفرغ سمعه صلى الله عله وسلم ولا يبقى فيه، ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك) أهـ .
فمن هنا ينبغي التأكيد على أهمية احتياط الداعية بتنبيه المدعوين وإحضار قلوبهم وصرف الشواغل عنها، وذلك يكون برفع الصوت، أو إسكات الناس، أو صرف الشواغل الأخرى - كزخرفة المساجد وغيره من الشواغل - فإن هذا الأمر مما يساعد الداعية بشكل كبير على التأثير في المدعوين، وإيصال الرسالة إليهم.
السابع من الفقه الدعوي في هذا الحديث:-
هو اهتمام أم المؤمنين عائشة بملاحظة أحوال النبي وبيانها للأمة: