الصفحة 918 من 3812

يقول سيد رحمه الله (( وفي ذلك اليوم ينادي الملائكة الذين يحشرون الناس للموقف، وينادي أصحاب الأعراف على أصحاب الجنة وأصحاب النار، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة.. فالتنادي واقع في صور شتى وتسميته (( يوم التناد ) )تلقي عليه ظل التصايح وتناوح الأصوات من هنا ومن هناك، وتصور يوم زحام وخصام. وتتفق كذلك مع قول الرجل المؤمن (يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم) وقد يكون ذلك فرارهم عند هول جهنم، أو محاولتهم الفرار ولا عاصم يومئذ ولات حين فرار ))

والكلام عن الغيب محبب للنفوس، لأن النفوس تحب أن تتعرف على ذلك الغيب بطبيعتها وحبها للاستطلاع، وحرصها على معرفة الذي سيحدث لها بالمستقبل، ولهذا السبب يذهب الكثير من الناس من الذين لا يعرفون حرمة تصديق من يدعي معرفة الغيب، يذهبون إلى العرافين وقارئي الكفوف والفناجين ليخبروهم كذبا عما سيحدث لهم بالمستقبل. ولعل هذا سبب من الأسباب التي جعلت القرآن والسنة تسهبان في تفصيل مواضيع الغيب من الجن والملائكة والقبر، وما يجري فيه من نعيم وعذاب والقيامة وأهوالها والجنة ونعيمها والنار وعذابها وغيرها من أمور الغيب وذلك ليكون منهجا ومنبعا للدعاة ليغترفوا من هذه البضاعة المحببة للنفوس لعلها تهتدي حينما تسمعها وتاريخ الدعوة يخبرنا أن كثيرا من المهتدين كان سبب هدايتهم سماعهم عن امر من أمور الغيب خاصة إذا أحسن الداعية عرضه لهذه المواضيع واختار لها وقتا مناسبا

الدرجة التاسعة: التذكير بالحوادث المماثلة في زمانهم

وذلك قول الله تعالى على لسانه (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب) [غافر 34]

فينتقي صورا من التاريخ القريب لأذهان قومه، تتماثل مع معصيتهم التي يريد إنكارها، ولا يوفق لهذا الفن من الإنكار إلا من أكثر من قراءة كتب التاريخ، وقصص القرآن الكريم، وعرف كيف ينتقي الوقت المناسب ليقارن بين منكر يراه ماثلا أمامه لا يدري مقترفه ماذا سيحدث له وبين منكر قديم يماثله. في قالب قصة حدثت لفرد أو جماعة في التاريخ القديم أو القريب وماذا فعل الله بهم من عقاب، ويكون الحدث أوقع في للقلب كلما كان قريبا من زمانه

ختام المحاورة

وأمام هذه المراوغة، وهذا الاستهتار وهذا الإصرار ألقى الرجل المؤمن كلمته الأخيرة مدوية صريحة بعدما دعا القوم إلى اتباعه في الطريق إلى الله وهو طريق الرشاد وكشف لهم عن قيمة هذه الحياة الزائلة، وشوقهم إلى نعيم الحياة الباقية، وحذرهم عذاب الآخرة، وبين لهم ما في عقيدة الشرك من زيف ومن بطلان ))

(وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار. من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار. لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار. فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) [غافر 38 - 44]

كسب القلوب..

هناك درجة قبل هذه الدرجات كلها جعلت آل فرعون يستمعون لهذا الداعية، ويحظى هو بإنصاتهم إليه. ربما تكون هذه الدرجة هي القرابة وربما درجة قريبة منها، ولكن لا بد للداعية الذي لا تربطه مع صاحب المنكر هذه الصلة أن يكون هو صلة جديدة معه يكسب بها قلبه ثم يبدأ بعد ذلك بالإنكار بأسلوب المحب والمشفق على من يحب، ولقد صدق تلميذ الإمام البنا الوفي عبد البديع صقر، عندما طلب من الدعاة الذين أرادوا انتهاج هذا الطريق ألا ينسوا أن يضعوا في أول مفكرتهم (( إن أسلوب التحدي ولو بالحجة الدامغة، يبغض صاحبه للآخرين فيجب التلطف لأن كسب القلوب أولى من كسب المواقف ) )

وبعد كسب القلوب يبدأ التدرج المدروس، وهذا ما وضحته عائشة رضي الله عنها للتابعي الثقة يوسف بن ماهك عندما قالت له (( إنما نزل أو ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل (( لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. وإني لجارية ألعب(لقد نزل بمكة على محمد بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ))رواه البخاري

وعائشة رضي الله عنه تبلين للدعاة هنا قاعدة جليلة في التدرج بالإنكار بما بدأ به القرآن من الترغيب والترهيب والرقائق حتى إذا ما صلبت الأعواد وقوت القلوب جاءت مرحلة البناء..

المصدر: شبكة الدعوة

قاعدة / ترك الاستفزاز واستخدام الحجة.

قال تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) [الأنعام 108] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت