الصفحة 917 من 3812

يقول سيد رحمه الله (( إنه يبدأ بتفظيع ما هم مقدمون عليه(أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) [غافر 28] فهل هذه الكلمة البريئة المتعلقة باعتقاد قلب، واقتناع نفس، تستحق القتل، ويرد عليها بإزهاق روح؟ إنها في هذه الصورة فعلة منكرة بشعة ظاهرة القبح والبشاعة ))

فلا بد للداعية المنكر للمنكر أن يبدأ بتضخيم المنكر! وتبيين قبحه، بمقارنته بالمعروف، حتى يكون ذلك داعيا لأن تعافه النفس. ومثال ذلك في القرآن الكريم، تقبيح صورة المرابي بأنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وغيرها في القرآن كثير. ومن أمثلة هذا الأسلوب في السنة، قول الرسول صلى الله عليه وسلم في من يعطي العطية ثم يرجع فيها (( مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء يعود إلى قيئه فيأكله ) )رواه مسلم

يقول الإمام ابن حجر (( ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك وأدل على التحريم ما لو قال مثلا: لا تعودوا في الهبة ) )ومثال ذلك في الحديث كثير

الدرجة الثانية: تبيين أدلة الإنكار

ثم يخطو بهم خطوة أخرى. فالذي يقول هذه الكلمة البريئة (( ربي الله ) ).. يقولها ومعه حجته وفي يده برهانه: (وقد جاءكم بالبينات من ربكم) [غافر 28] .. يشير إلى تلك الآيات التي عرضها موسى - عليه السلام - ورأوها، وهم فيما بينهم وبعيدا عن الجماهير - يصعب أن يماروا فيها

فلا بد للداعية عندما يقوم بعملية الإنكار أن يصطحب معه أدلة تثبت أن ما يقوله هو الحق، وأن ما ينكره هو المنكر، لأن الناس لم يعتادوا الرضوخ والابتعاد عن مناكرهم بمجرد النهي الحاد المتشنج الخالي من الأدلة والبيانات

الدرجة الثالثة: افتراض أسوأ الفروض

(( ثم يفرض لهم أسوأ الفروض، ويقف معهم موقف المنصف أمام القضية تمشيا مع أقصى فرض يمكن أن يتخذوه:(وإن يك كاذبا فعليه كذبه) .. وهو يحمل تبعة عمله، ويلقى جزاءه، ويحتمل جريرته، وليس هذا بمسوغ لهم أن يقتلوه على أية حال ))

الدرجة الرابعة: احتمال صدق الداعية

ومهما ألبس الطغاة أصحاب الحق من الاتهامات الباطلة، ومهما كثر تصديق الناس للطغاة فيما يدعون إله، وعلى افتراض أن يكون ذلك الداعية كاذبا، يبقى احتمال، وإن كان ضئيلا أن بعض ما يدعو إليه صاحب الحق صوابا. يقول سيد (( وهناك الاحتمال الآخر. وهو أن يكون صادقا، فيحسن الاحتياط لهذا الاحتمال، وعدم التعرض لنتائجه:(وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) [غفر 28] . وإصابتهم ببعض الذي يعدهم هو كذلك أقل احتمالا في القضية فهو لا يطلب إليهم أكثر منه. وهذا منتهى الإنصاف في الجدل والإفحام ))

الدرجة الخامسة: التهديد العام غير المخصص

ثم يهدد في طرف خفي، وهو يقول كلاما ينطبق على موسى كما ينطبق عليهم. (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) [غافر 28] . فإن كان موسى فإن الله لا يهديه ولا يوفقه فدعوه له يلاقي منه جزاءه. واحذروا أن تكونوا أنتم الذين تكذبون على موسى وربه وتسرفون. فيصيبكم هذا المآل )) . وأجمل شيء في هذا الأسلوب أنه تهديد غير مباشر، فالنفوس تأنف التهديد المباشر، ولا تحب أن تلتقي حول من يهددها. أو يرغمها على شيء معين خاصة إذا كان بشرا مثلهم. لذلك ربط هذا التهديد العام بالله، وليس بشخصه كإنسان، مما يخفف وطئة النفور، ويجعل ذلك التهديد مستساغا ومؤثرا لأنهم كانوا يعتقدون بالآلهة وبما تقوم به من نفع وضرر، ولكنهم ما كانوا يوحدون

الدرجة السادسة: التذكير بنعم الله والتحذير من نقمته

(( وحين يصل بهم إلى فعل الله بمن هو مسرف كذاب، يهجم عليهم مخوفا بعقاب الله، محذرا من بأسه الذي لا ينجيهم منه ما هو فيه من ملك وسلطان، مذكرا إياهم بهذه النعمة التي تستحق الشكران لا الكفران(يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) [غافر 29] إن الرجل يشعر بما يشعر به القلب المؤمن، من بأس الله أقرب ما يكون لأصحاب الملك والسلطان في الأرض، فهم أحق الناس بأن يحذروه. ثم يجمل نفسه فيهم وهو يذكرهم ببأس الله (فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) ليشعرهم أن أمرهم يهمه. فهو واحد منهم ينتظر مصيره معهم وهو إذن ناصح لهم مشفق عليهم لعل هذا أن يجعلهم ينظرون إلى تحذيره باهتمام ويأخذونه مأخذ البراءة والإخلاص )). ومن أسوأ الأخطاء التي يقع بها كثير من الدعاة في طريق نهيهم عن المنكر، أنهم يشعرون من يخاطبونهم بأنهم أطهر منهم. وأنهم مستثنون من العذاب والانتقام الإلهي. ومثال ذلك قولهم (( أنتم كذا وكذا ) )وقولهم (( سينتقم الله منكم ) )وقولهم (( سيعذبكم الله في ناره ) )، هذه التحذيرات المباشرة دون أن يشرك الداعية نفسه معهم، من شأنها أن تكون مدعاة للتنفير، وجالبة للنقم على ذلك الداعية مما يصعب عليه مهمته في الإنكار وكسب الأنصار

الدرجة السابعة: إظهار خوفه على قومه وتذكيره لهم بمصارع من قبلهم

وذلك في قوله تعالى على لسانه (وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد) [غافر 30 - 31] وذلك مثل ما يقوله بعض الدعاة لمن يريدون الإنكار عليهم (( لولا حبنا لكم ما نصحناكم ) )أو قولهم (( لولا خوفي عليك وحرصي على ابتعادك عن النار لما نصحتك ) )وغيرها من العبارات التي تترك في نفس صاحب المنكر شيئا من الطمأنينة والثقة بمن ينكر عليه، تجعله أكثر قبولا للنصيحة والإنكار مما لو كانت خالية من تلك العبارات

الدرجة الثامنة: التخويف بيوم القيامة

وذلك في قوله تعالى على لسانه (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد) [غافر 32 - 33]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت