الصفحة 951 من 3812

(دروس من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم)

بقلم: أ. نادية الهداب

أشواقنا نحو الحجاز تطلعت كحنين مغترب إلى الأوطان ِ

إن الطيور وإن قصصت جناحها تسمو بهمتها إلى الطيران ِ

يعيش المصطفى صلى الله عليه وسلم معنا دائمًا وأبدًا .. يعيش معنا ونحن نراه قدوه وأسوة وإمامًا مرشدًا ,وأبًا مربيًا.. يعيش في ضمائرنا عظيمًا .. وفي قلوبنا رحيمًا .. ,وفي أبصارنا إمامًا.. وفي أذاننا بشيرًا, ونذيرًا .

هذا النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه عاش لحظات الحياة كما ينبغي أن تعاش .. فمنذ أن بزغت شمس الإسلام وقف عليه الصلاة والسلام صابرًا محتسبًا دعى إلى الله وجاهد في الله.

وقف على الصفا عندما أنزلت عليه قول الله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (214: الشعراء) , فبشر وأنذر فكانت بداية الجهاد.

لما نزلت عليه قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (5: المزمل ) , قال لخديجة رضى الله عنها .. وهي تدعوه أن يطمئن وينام ..قال لها .. مضى عهد النوم يا خديجة ,وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق ..

* عرض نفسه الكريمة على القبائل في موسم الحج وجاء وفد الأنصار جاء الأحباب بعد طول انتظار.. وآمنوا بالحبيب وبايعوا على النصرة والجهاد .. ,وبدأت قوافل المهاجرين تسير اتجاه المدينة تستقبلها قلوب المحبين الصادقين قبل أبدانهم , وقال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (9: الحشر) , وبقي الحبيب ينتظر أن يأذن له ربه بالهجرة وأرشده ربه وألهمه أن يدعو: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا } ( 80: الإسراء ) .

لم يبق في مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حبس أو فتن.. وإلا علي بن أبي طالب , وأبو بكر الصديق وكان كثيرًا ما يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له:"لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا"؛ فيطمع أبو بكر أن يكون ذلك الصاحب حبيبه وصاحبه النبي صلى الله عليه وسلم , فابتاع راحلتين حبسهما في داره يعلفهما إعدادًا لذلك.

عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار .. إما بكرة و إما عشية ,حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة أتانا رسول الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها.. قالت فلما رآه أبو بكر قال:- ما جاء رسول الله صلى عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث ؟ قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم , وليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد إلا أنا وأختي أسماء ."

فقال عليه الصلاة والسلام: أخرج عني من عندك ..

قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي , وما ذاك فداك أبي وأمي ؟

قال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة ...

قال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ؟ قال: الصحبة ..

قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي ..."."

انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه يريدان الغار .. فلما انتهيا إليه ..

قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار .. فدخل فاستبرأه ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به , وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه .. ثم قال: يارسول الله أدخل .. فدخل عليه الصلاة والسلام ,ووضع رأسه في حجر صاحبه ونام .. فلدغ أبو بكر .. ,ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا أبا بكر؟ قال: لدغت , فداك أبي وأمي .. فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده.

جدت قريش في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه .. وأرصدت مكافأة لمن يعيدهما .. فانتشر الفرسان وتفرقوا في الجبال والوديان , ووصل المطاردون إلى باب الغار ولكن الله غالب على أمره.

وحين خمدت نار الطلب.. خرج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه يريدان المدينة, وفي يوم الإثنين الثامن من ربيع الأول سنة أربع عشرة من النبوة وهي السنة الأولى من الهجرة نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.

قال ابن القيم رحمه الله:-

وسمعت الرجه والتكبير في بني عمرو بن عوف .. وكبر المسلمون فرحًا بقدومه وخرجوا للقائه فتلقوه ,وحيوه وأحدقوا به والسكينة تغشاه والوحي ينزل عليه .. قال الله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (4: التحريم ) , أقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام وأسس مسجد قباء وصلى فيه , وبعد الجمعة دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب المدينة المنورة.

أشرقت المدينة بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ فاستنارت أرجاءها وصارت كهفًا لأولياء الله وحصنًا منيعًا للمسلمين .. ومنارة هدى للعالمين..

والمتأمل في حادثة الهجرة يتلمس دروسًا عظيمة وفوائد جمّه ومن ذلك:-

1-ضرورة الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله تعالى:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت