فهرس الكتاب
وللداعية المسلم في هذه الأيام دور مهم وخطير، خاصة أن حالنا كأمّة وإلى حد كبير يتفق ووصفه صلى الله عليه وسلم حين وصف العصور، وتفاعلها مع ما جاء به من الهدي والعلم؛ فقسمها إلى ثلاثة أقسام، فقال - واصفا أدناها -:"وكانت منها طائفة قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ"، ودور الدعاة أن يدفعوا بالأمة إلى الأعلى، إلى مرحلة"فكانت بقعة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير"، ثم دفعها إلى مرحلة أعلى:"وكانت منها بقعة أمسكت الماء، فنفع الله عز وجل بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا". وهذه هي المرحلة التي سوف تعطي الإسلام بعده الحضاري والإنساني.
ولكن وكما قال شيخ الدعاة الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- واصفا حال المسلمين:"عيب المسلمين الآن أنهم لم يعرفوا القرآن ثقافة تفيق الألباب، وخبرة بالأنفس والآفاق، إنه ترديد ألفاظ وأنغام وحسب"، ثم خصص القول بعد تعميمه، فقال عن حال بعض الدعاة:"المشكلة في نظري أن بعض الدعاة لا يدري نفاسة ما عنده، بل ربما كانت قدرته على الإماتة أظهر من قدرته على الإحياء".
ثم يضيف -رحمه الله- فيحدد صفة العمل الأصيل والعمل غير ذلك، فيقول:"إنه فكر أذكى من فكر، وخلق أرضى من خلق، وإدارة أرشد من إدارة، وإنتاج أغزر من إنتاج، وحكم أعدل من حكم، وأسرة أطهر من أسرة، وتربية أجدى من تربية. والخطر كل الخطر على الحياة الإسلامية -وهو الحال الآن- أن نثبت أو نجمد ما من شأنه المرونة والتطور، أو نطور ما من شأنه الثبات والخلود، فتضطرب الحياة، وتختل الموازين".
وكما جاء في كتاب"الصحوة الإسلامية"للدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:"على الداعية أن يتعرف على زمانه ليعرف كيفية التعامل معه، ومع النفس البشرية، خاصة وأنه يدعو لدين يجمع بين ما تحتاجه طبيعة الحياة الإنسانية من ثوابت في العقيدة والعبادة والأخلاق والأحكام، وبين متغيرات تتأثر وتتغير بتغير الزمان والمكان، وتشمل الوسائل والأساليب، وخاصة لغة الخطاب والتحاور".
ويقول الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله- في"مشكلة الثقافة":"قد قامت الحضارة الإسلامية في بدايتها بتجديدين، ومرة واحدة؛ وهما تجديد بنفي السلب، وتجديد برسم الإيجاب". وهذا ما يجب أن يقوم به الداعية المسلم اليوم حتى يرقى بأمته وبالإنسانية، ويبعدها من وحل جاهلية القرن العشرين إلى نور حضارة الإسلام بعالميته وشموله وعدله وإنسانيته.
و يتطلب كل ذلك تحولا نوعيا في حياة وفكر المسلم عامة، والداعية خاصة، ورمضان هو خير معين على ذلك؛ لما تحتويه ذاكرة التاريخ من تحولات عظيمة حصلت في هذا الشهر العظيم، وهي أحداث تعتبر مثالا قائما ليستفيد منه كل ذكي، وكل من له قلب واع وروح وثابة.
وإن كان اسم رمضان يوحي بشيء من الجهد أو التعب؛ فالتغيير نحو الأفضل هو من أشق الأمور، بل إن التغيير الفكري والبعد عن مصيبة العادة والروتين -وخاصة في مجال الدعوة- هو الأصعب والأشق؛ فهلا جعلنا رمضان بداية تحول حقيقي للدعوة وخطابها، والرقي بها إلى مستوى يحاكي أو يتعدى الخطاب العالمي القائم والبعيد كل البعد عن الحق والصواب.
كاتب المقال: د. جمال عبد الواحد طاشكندي
وقفات حول الدعوة في رمضان
شهر رمضان موسم لجني الحسنات،والتخفيف من السيئات،وفرصة لتحقيق التقوى التي من أجلها فُرض الصيام ؛ ليصبح العبد من المتقين الأخيار، ومن الصالحين الأبرار، يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] ،فواجب على كل مسلم ومسلمة منَّ الله عليه ببلوغ شهر رمضان، أن يغتنم الفرصة،ويستزيد من الأعمال الصالحة التي منها الدعوة إلى الله تعالى،فالدعوة في رمضان فرصة ثمينة لكل داعية.
جاءت نصوص الشرع بالأمر بالدعوة، وكل مسلم يدعو إلى الله تعالى حسب قدرته، فهذا بقوله، وهذا بماله، وهذا بقلمه، وهذا بجاهه، بهدف تحقيق الخيرية التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، وشهر رمضان أرض خصبة وميدان واسع للاستباق على فعل الخيرات، قال صلى الله عليه وسلم:"إذا كانت أول ليلة من رمضان، فُتحت أبواب الجنة، فلم يُغلق منها باب، وغُلقت أبواب جهنم، فلم يُفتح منها باب، وصُفدت الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" [ أخرجه البخاري ومسلم ] .
وللدعوة في رمضان طرق سالكة ؛ لعدة أسباب منها:
1-لأن القلوب تكون أقل قساوة، ولديها استعداد للقبول والتلقي في هذا الشهر الكريم أكثر من أي وقت آخر.
2-رغبة كثير من الناس لتجديد العلاقة مع الله سبحانه وتعالى والانضمام إلى عقد التائبين.
3-لكثرة ارتياد الناس للمساجد رجالًا ونساءً، وإقبالهم لما يطرح فيها من مواعظ ودروس
4-حرص الناس على زيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة، وتجمعهم في تلك الأماكن حيث تكون الفرصة سانحة لممارسة الأنشطة الدعوية بينهم.
5-اهتمام كثير من الناس بإخراج زكاة مالهم، وبذل الصدقات في جوانب الخير المتعددة، وحرصهم على المشاركة في مشاريع تفطير الصائم والتي يمكن استغلالها أغلب الأحيان لتنفيذ البرامج الدعوية المناسبة.
للأسباب الآنفة الذكر نجد أنه من الضروري الاستفادة من هذا الموسم في الدعوة إلى الله تعالى بشتى الوسائل والإمكانيات المتاحة، ومن الوسائل الفعَّالة التي يمكن القيام بها للدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى- في هذا الشهر الكريم ما يلي: