أما قوله: الأفلاك هل هي في السماوات أو غيرها؟ ففي ذلك قولان معروفان للناس، لكن الذين قالوا: إن هذا هو هذا احتجوا بقوله تعال: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [1] ، قالوا: فأخبر الله أن القمر في السماوات. وقد قال تعال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [2] ، وقال تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [3] .
فأخبر في الآيتين أن القمر في الفلك، كما أخبر أنه في السماوات؛ ولأن الله أخبر أننا نرى السماوات بقوله: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ) [4] . وقال: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) [5] ، وأمثال ذلك من النصوص الدالة على أن السماء مشاهدة، والمشاهد هو الفلك، فدل على أن أحدهما هو الآخر.
وأما قوله: هل الشمس والقمر تحركان بدون الفلك، أم حركتهما بحركة الفلك، ففيه نزاع أيضًا، جمهور الناس على أن حركتهما بحركة الفلك.
وأما قوله تعال: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فلا يمنع أن يكون ما ذكره من أنهم يسبحون تابعًا لحركة الفلك، كما في الليل والنهار، فإن تعاقب الليل والنهار، تابع لحركة غيرهما، وقوله: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يتناول الليل والنهار والشمس والقمر، كما بين ذلك في سورة الأنبياء.
وكذلك في سورة يس: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [6] . فتناول قوله: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ما تقدم الليل والنهار، والشمس كما ذكر في سورة الأنبياء، وإذا كان أخبر عن الليل والنهار بما أخبر به من أنهما يسبحان، وذلك تابع لحركة غيرهما مثل ذلك ما أخبر به من أن الشمس والقمر يسبحان تبعًا للفلك، وعلى ذلك أدلة ليس هذا موضع بسطها.
(1) سورة نوح الآيتان: 15 - 16.
(2) سورة الأنبياء الآية: 33.
(3) سورة يس الآية: 40.
(4) سورة الملك الآيتان: 3 - 4.
(5) سورة ق الآية: 6.
(6) سورة يس الآيات: 37 - 40.